تحليل

شرق الفرات... واقع جديد

27-10-2019


 

RRC | حسين عمر  |

تمّ، يوم الأربعاء 22 أغسطس، سحب قوات وحدات حماية الشعب، مع أسلحتها الثقيلة، من مدينة سري كانيه (رأس العين)، كما تمّ، يوم السبت 24 أغسطس أولى المجموعات من قوات وحدات حماية الشعب YPG وقوات سوريا الديمقراطية ‌QSD من قرية عدوانية (35 كم غرب سري كانيه)، وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه، انسحب تلك القوات من ثلاثة مواقع شرق مدينة كري سبي (تل أبيض) أقربها يبتعد 30 كم، وأبعدها 40 كم عن مركز المدينة، في المنطقة الحدودية المشمولة بالاتفاق الأمريكي-التركي حول آلية أمنية مشتركة في المنطقة، وذلك بعد أن قامت تلك القوات، بإشرافٍ ميداني أمريكي، ومراقبة جويّة مشتركة أمريكية-تركية، بردم خنادقها وإزالة تحصيناتها. ومن المُرتَقَب أن تقوم، في الأيام المقبلة، القوات الأمريكية والتركية بتسيير أولى الدوريات البرية المشتركة في المنطقة المحدّدة بين مدينتي سري كانيه (رأس العين) وكري سبي (تل أبيض) بطول 88 كم وعمق يتفاوت بين 5-14 كم. فقد قال رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأمريكية، جوزيف دانفورد، الأربعاء 28 أغسطس، إنه يجري الإعداد لتسيير دوريات مشتركة مع تركيا شرق نهر الفرات، دون تحديد موعد رسمي لتسيير تلك الدوريات.

تتزامن هذه التطوّرات الميدانية في شرق الفرات مع التطورات الميدانية في مناطق شمال حماه وجنوب إدلب المشمولة بما سُميّت منطقة خفض التصعيد الرابعة، المتّفق عليها بين الدول الضامنة الثلاث (روسيا-تركيا-إيران) لمباحثات واتفاقيات أستانا. إذ سيطرت قوات الجيش السوري، مدعومة بالقوات الروسية، على مدينة خان شيخون الاستراتيجية جنوب إدلب (70 كم) على الطريق الدولي (M5) الذي يربط مدينة حلب بمدينة حماه، وكذلك بسط سيطرتها على كامل مناطق الريف الشمالي من محافظة حماه، والتي كانت خاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) وحلفائها من مجموعات المعارضة السورية. والمتأمّل بعمق في سير التطوّرات في جبهة إدلب والتصريحات الروسية-التركية التي تتناولها، سوف يُرجّح فرضية أنّ الحكومة السورية، ومن خلفها روسيا، سائرة باتجاه السيطرة على هذه المنطقة، أو أقلّه طرفي الطريق الدولي (M5)، وحتى أيضاً الطريق (M4) المتفرّع عن الأوّل عند بلدة سراقب، والواصل بين حلب واللاذقية وبقية مدن الساحل السوري. والتصريحات الأخيرة للرئيس الروسي بوتين، أثناء استقباله للرئيس التركي أردوغان (27 أغسطس)، حول المنطقة الآمنة في شرق الفرات والتي قال فيها: « نتفهم قلق تركيا المتعلق بمسألة ضمان أمنها على حدودها الشمالية، ونعتقد أن هذا الأمر يمثل مصلحة شرعية للجمهورية (…) ننطلق من أن إنشاء المنطقة الآمنة على الحدود الجنوبية لتركيا سيمثل ظرفاً إيجابياً من أجل ضمان الحفاظ على وحدة أراضي سوريا نفسها، وفي هذا المعنى نؤيد كل الإجراءات الرامية إلى خفض التصعيد في هذه المنطقة »، توحي بأنّه قد يكون هناك تفاهماَ على مقايضة إدلب بتفهّم روسي لمطالب تركيا من أمريكا بشأن المنطقة الآمنة، خاصّة وأنّ أردوغان وبوتين هما عرّابا المقايضات على أراضٍ سورية.

هذان التطوّران المتزامنان يخلقان وقائع جديدة بشأن الأزمة السورية عامّة والوضع في شرق الفرات خاصّة، وبعض نتائجهما متداخلة ومتعالقة مع بعضها.

على مستوى شرق الفرات:

إذا كان اتفاق الآلية الأمنية (تسمية أمريكية لما تسميه تركيا بممرّ السلام أو المنطقة الآمنة) بين أمريكا وتركيا قد قطع الطريق أمام اجتياحٍ تركي لمناطق شرق الفرات، فهو، في الوقت نفسه يُضعف موقف الإدارة الذاتية وقواتها العسكرية (QSD) بشقها الكوردي؛ حيث أنّ إبعاد وحدات حماية الشعب (الكوردية) من المناطق الحدودية سوف يُضعف موقفها لصالح التشكيلات العربية ضمن قوات سوريا الديمقراطية والتي تتزايد أعدادها ويتحسّن تسليحها أمريكياً وتلقى المزيد من الرعاية من قبل بعض الدول العربية الخليجية وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية. كما أنّ نزع ورقة تواجدها على الحدود السورية مع تركيا سوف يُضعف موقفها أمام الحكومة السورية في أيّ مفاوضات مُحتَمَلة معها (إذا ما اعتمدت الإدارة الذاتية خيار الاتفاق مع حكومة دمشق)، حيث كان من الممكن للإدارة أن تُقايض هذه الورقة بمكاسب تنتزعها من الحكومة السورية بشأن صلاحيات الإدارة القائمة.

ولكنّ التفاهمات الأمريكية-التركية والاعلان الأمريكي عن استمرار دعمها لقوات سوريا الديمقراطية والمساعي الأمريكية-الأوروبية من أجل إطلاق عملية سياسية تؤدي إلى إعادة صياغة الإدارة القائمة في شرق الفرات، تُضيّق من جهة أخرى هامش المناورة أمام الحكومة السورية التي سوف لن تتجرّأ على اجتياح شرق الفرات بوجود القوات الأمريكية.

يبدو أنّ هناك جهد أمريكي –أوروبي منسّق للتواصل مع الأطراف الكوردية السورية المختلفة، وخاصّة طرفي الخلاف (الإدارة الذاتية والمجلس الوطني) لتحقيق تقارب بينها يُفضي إلى اتّفاقٍ يكون رافعة لتحويل الإدارة القائمة إلى إدارة شاملة تضمّ كلّ الأطراف السياسية والمكونّات الاجتماعية بما يُنهي احتكار حزب الاتحاد الديمقراطي لمفاصل هذه الإدارة من النواحي السياسية والعسكرية والإدارية. والمبادرة الفرنسية والمساعي البريطانية لتقريب الأطراف الكوردية من بعضها تأتي في هذا سياق هذا الجهد. إنّ الجهد الدولي في تقريب الأطراف الكوردية من بعضها وصولاً إلى تحقيق اتفاقٍ بينها أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة إلى القضية الكوردية في سوريا، إذ يُكسبها طابعاً دولياً ويوفّر لها دعماً وحلقاءً على المستوى الدولي، الأمر الذي يوفّر للشعب الكوردي وحركته الفرصة في تضمين حقوقه في التفاهمات الدولية بشأن الحلّ النهائي في سوريا، وخاصّة في الدستور المزمَع صياغته بإشرافٍ دولي والذي سيكون الإطار القانوني لشكل وطبيعة الدولة السورية وموقع المكوّنات فيها. من الصعب، إن لم نقل من المستحيل، تحقيق تقاربٍ واتفاقٍ كرديين في سوريا من دون جهودٍ دولية. فالحركة الكوردية في سوريا تعاني من معضلة بنيوية تاريخية تتمثّل تبعيّتها وولائها للأطراف الكوردستانية خارج سوريا، وفي فقدانها لاستقلالية قرارها السياسي، وقد تعمّق هذا المسار خلال عمر الحرب السورية. فعلاقة الاتحاد الديمقراطي بالعمال الكوردستاني عضوية، والمجلس الوطني الكوردي يُجاهر بولائه لقيادة إقليم كردستان، في حين أنّ الأطراف الأخرى إمّا أنّها التحقت تماماً بالإدارة الذاتية التي يقودها الاتحاد الديمقراطي، مثل التحالف الوطني المنضمّ كليّاً إلى مجلس سوريا الديمقراطية، والمنتمي جزئياً إلى الإدارة الذاتية، وإمّا تناور على هامش هذه الإدارة والحكومة السورية، مثل الديمقراطي التقدّمي.  ومن هنا تأتي أهمية انضمام إقليم كردستان إلى الجهود الدولية من أجل تحقيق الاتفاق في البيت الكوردي في سوريا، إذا لا يمكن تصوّر قبول الاتحاد الديمقراطي باتفاقٍ مع المجلس الوطني من دون ضغوطٍ دولية، مثلما لا يمكن تصوّر قبول المجلس الوطني باتفاقٍ مع الاتحاد من دون ضغوطٍ من لإقليم كردستان أو أقلّه من دون موافقته.

مخاطر أمنية في شرق الفرات

عدا الاتفاق الأمريكي-التركي بشأن أمن الحدود، هناك تطوّرات أمنية في كردستان سوريا وشرق الفرات قد تشكّل تهديداً جدّياً لاستقرار المنطقة. هناك معلومات تفيد بأنّ الخلايا النائمة لداعش في منطقة الشدادي ( 60 كم جنوب الحسكة) ومنطقة الهول (حيث المخيّم الذي يضم أكثر من 70 ألف شخص معظمهم عوائل مسلحي داعش والبيئة المتعاطفة مع التنظيم)، قد انتقلت إلى مرحلة القوّة المنظّمة والمسلّحة جيّداً. كما أنّ إيران قد شكّلت ما يشبه الحشد الشعبي في بعض القرى المحيطة بمدينة قامشلو، كبرى مدن كردستان سوريا وشرق الفرات. أمّا في العمق العربي من منطقة شرق الفرات، فتتنامى مشاعر العداء للكورد ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية من جهة، كما تتزايد العمليات التي تستهدف قوات سوريا الديمقراطية نفسها، يُرجّح أنّ بعضها تُنفّذ من قبل خلاليا تابعة للحكومة السورية، عدا خلايا داعش المتنامية في المنطقة، من جهة أخرى. كلّ هذه المعطيات تشكّل خطر حدوث فلتان أمني واسع في المنطقة قد يتطوّر إلى حروب تأخذ طابع عرقي، يكون الكورد هدفها الرئيسي.

لا شكّ أنّ التطوّرات في سوريا عامّة، وفي شرق الفرات خاصّة، تؤثّر تأثيراً مباشراً على إقليم كردستان، ولذلك سيكون انفتاح إقليم كوردستان على الأطراف المعنية بالأزمة السورية على الصعد الداخلية والإقليمية والدولية ضروريّاً.

على الصعيد الدولي، من المفيد تكثيف الاتصالات مع اللاعبين الأساسيين بشأن الملفّ السوري لتجنّب خطوات تلحق الضرر بالإقليم (مثال: وصول القوات التركية، في إطار المنطقة الآمنة إلى معابر الإقليم مع كردستان سوريا والمناطق العربية من العراق)، وكذلك الانضمام إلى الجهود الأمريكية-الأوروبية في سبيل خلق تقارب بين الأطراف الكوردية، وإعادة صياغة الإدارة القائمة، والعمل على إشراك المجلس الوطني الكوردي والأطراف الأخرى إليها، لأن من شأن ذلك تفكيك سلطة الحزب الواحد وخلق إدارة تعددية، ستكون علاقاتها بلا شكّ أفضل مع الإقليم مما هي عليه الآن، وكذلك خلق استقرار سياسي واقتصادي سيساهم في إعادة ولو جزء من اللاجئين الكورد في الإقليم، وسيكون ذلك عاملاً لتخفيف مخاطر التغيير الديمغرافي بالضدّ من الوجود الكوردي. إنّ توتير علاقات الإقليم مع الإدارة وأحزابها يتركها عرضة لضغوط إقليمية دون سندٍ لها، من جهة، كما يُزيد من فرص استخدامها ضدّ مصالح الإقليم كما يدفعها إلى تحريض القاعدة المجتمعية في غرب كردستان ضدّ قيادة الإقليم، من جهة أخرى، علماً أنّ هذه القاعدة كانت، ولا تزال، حاضنة شعبية تاريخية داعمة للإقليم وقيادته. فهذه الإدارة تمثّل أو (تتحكّم) بإرادة نصف المجتمع الكوردي في كردستان سوريا والذي نظمّته في مؤسساتها المختلفة وأحزابها، ومن الخطأ استعداءها. يبدو واضحاً أنّ النظام السوري القائم سيكون شريكاً في حلّ الأزمة السورية، إذ لم تكن هناك أصلاً إرادة دولية حقيقية في إزالته، لأنّ من شأن ذلك، إضافة إلى حسابات دولية وإقليمية أخرى كثيرة، تسليم السلطة لأغلبية سنيّة واقعة تحت تأثير التوجّه الديني، الأمر الذي كان سيؤدّي إلى تشكيل نظام موالٍ في جوهره لتركيا، كما أدّى تسليم السلطة إلى الأغلبية الشيعية ذات التوجّه الديني في العراق إلى إقامة نظام موالٍ في جوهره لإيران، وهذا ما لا يُرضي الأطراف الدولية ودول إقليمية ذات نفوذٍ قوي في المنطقة وتأثيرٍ على مراكز القرار الدولي. ولذلك، فإنّ فتح قنوات الاتصال مع الحكومة السورية الحليفة لإيران وللعراق تالياً، عدا عن أنه سيساعد الإقليم في بعض الملفات مع هاتين الدولتين الأخيرتين، سوف يُساهم في منح الإقليم الفرصة ليكون له حضور في مساعي حلّ الأزمة السورية وخاصّة في ملفّي علاقات سوريا ما بعد الأزمة والقضية الكوردية في سوريا والذي سيكون حلّها في النهاية مع المركز، وشكلُ هذا الحلّ سوف يؤثّر بكلّ تأكيد على الإقليم، كما يمكن للإقليم أن يستثمر العلاقة مع دمشق في فتح باب التفاوض السياسي العلني  بين الحركة الكوردية والحكومة السورية بشأن حقوق الشعب الكوردي ودوره مستقبله في سوريا، بديلاً عن القنوات الأمنية التي تسكلها أطراف كردية عدّة وتلتقي مع مسؤولين أمنيين خلف الأبواب المغلقة أو تطرق تلك الأبواب التي ردّت، خلال هذا الشهر، آخر قاصديها من القيادات الكوردية.

مواضيع ذات صلة

Share this Post

تحليل