تحليل

ثم صوت تغيير يطرق الآذان

23-06-2022


مقدمة

صرح هينري كسيجر لجريدة تايمز مؤخراً بأن مشاكل كبيرة من الشرق الأوسط وآسيا ستأخذ بخناق أوروبا وأميركا، ومع أنه لم يستغرق في الحديث عن هذا، يبدو أن صراع القوى بدأ يتصاعد هنا مرة أخرى وهناك حركة سياسية وأمنية مهمة في المنطقة من المرجح أن تنسج شبكة تحالفات وتنافسات جديدة جرى العمل عليها لعدة سنوات هنا وهناك. كيف سيكون هذا الوضع وكيف سيؤثرعلى كوردستان؟

لا شك أن اجتماع الناتو في نهاية هذا الشهر وزيارة بايدن المتوقعة إلى الشرق الأوسط الشهر المقبل ومصير محادثات طهران النووية، هي ثلاثة أحداث مهمة يمكن التمعن فيها للحصول منها على خيوط مهمة تدل على التغييرات الموجودة في المنطقة.

ثلاثة اجتماعات مهمة

يجتمع قادة الناتو في يومي 29 و30 من هذا الشهر في العاصمة الإسبانية مدريد. [1] من المقرر يقر هذا الاجتماع رؤية هذا الحلف العسكري للسنوات العشر المقبلة. يرى مسؤولو الناتو بأنه منذ إقرار مفهوم 2010 للحلف كان هنالك الكثير من الأحداث والمتغيرات، منها الحرب الأوكرانية الروسية، ظهور داعش في الشرق الأوسط والمنافسات الستراتيجية، لذلك هنالك حاجة لمفهوم جديد. خلال السنوات العشر الماضية لم يظهر الناتو كحلف متحد. كان هناك العديد من الخلافات بدءاً بالتوترات بين تركيا والحلفاء الآخرين إلى خلاف إدارة ترامب مع الدول الأخرى حول تخصيص 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي لنفقات الناتو، بعضها لا يزال قائماً ويثير الجدل إلىجانب قضايا أخرى مثل توسيع الحلف. بينما برزت روسيا ككابوس في أوروبا، لا شك أن أعضاء الناتو أصبحوا أقل انقساماً مما مضى، وإذا تمكن الحلف من تحقيق وحدة أكبر باعتباره أهم حلف عسكري في العالم، فيمكن أن يكون له تأثير أكبر على الأحداث في الشرق الأوسط.

إذا اتفق قادة الناتو وتركيا بشأن مشاكلهم، فستكسب تركيا المزيد من الدعم لسياساتها في الشرق الأوسط. وقد يُترجم هذا في المستقبل القريب إلى بعض الأحداث المتعلقة بالكورد في غرب كوردستان وإقليم كوردستان. من المحتمل جداً أن تكون العملية تركيا المتوقعة في غرب كوردستان مرتبطة جزئياً باجتماع الناتو هذا. هذا الوضع ليس سهلاً على بعض دول الناتو التي ترى الكورد كحليف محلي في القتال ضد داعش ومن غير المعلوم كيف سيجدون مخرجاً لنوايا تركيا وقضية الكورد. وهذا بعد أن اكتسبت تركيا أهمية أكثر بعد الحرب الأوكرانية واشتداد الخصومة بين إيران وإسرائيل.

بعد زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى المنطقة في الأيام الأخيرة، تُعدّ الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الشرق الأوسط حدثاً مهماً آخر. بالإضافة إلى ذلك، سيحضر بايدن اجتماعا للتحالف الرباعي I2U2، الذي تأسس في أكتوبر 2021 بين الولايات المتحدة والهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والذي يعمل على قضايا مشتركة كثيرة تمتد من الأمن الغذائي وحتى الشؤون الدفاعية. تُظهر الزيارة أهمية المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة في مقارعة القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، لكنها قد تشكل أيضاً دفعة للاتفاق العربي الإسرائيلي الجديد الذي تم العمل عليه منذ عهد إدارة ترامب. لو تحقق ما دعا إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي من قيام أمريكا بقيادة تحالف أمني عربي إسرائيلي، فهذا يعني المزيد من الأسلحة الأمريكية في المنطقة وربما نصب نظام الخوذة الحديدية الدفاعي الإسرائيلية في بعض دول الخليج. في عام 2021 اشترت الرياض ثمانية أنظمة باتريوت للدفاع الصاروخي من أمريكا لحماية نفسها من الهجمات الصاروخية الحوثية [2]. لكنها ما زالت بحاجة إلى المزيد. في الحرب الإسرائيلية الفلسطينية عام 2021، تم إطلاق 4300 صاروخ على إسرائيل، سقط 680 منها في غزة وأسقط نظام الخوذة الحديدية 90٪ من الصواريخ [3]. أظهر ذلك قدرة هذا النظام على مواجهة الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى وقد يثير هذا اهتمام دول الخليج المعرضة للهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات بدون طيار.

بينما تخوض الولايات المتحدة منافسة قوية مع الصين وروسيا وباتت موسكو معضلة لأوروبا، فإن اجتماع الناتو وزيارة بايدن واجتماع I2U2 أشبه بإعداد خط أمني سياسي يمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط ومن هنالك الى البحر الأحمر والخليج العربي باتجاه المحيط الهندي. على الرغم من عدم شمولية واتحاد هذا التحالف، إلا أن الولايات المتحدة تعمل على إدارة رحاها. إذا نظرنا إلى ما حدث العام الماضي في المناطق الواقعة على طول المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي، فسنرى مشهداً أولياً للاستقطاب. ومن شمال الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأبيض، تراجعت النزاعات بين دولها في السنوات الأخيرة. من الخلافات الأوروبية الأمريكية حول نفقات الناتو إلى النزاعات بين تركيا مع كل من فرنسا واليونان ومصر ومشاكل ليبيا. تتخذ العلاقات بين أنقرة وتل أبيب روحاً جديدة، وقد أوجدت المملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات علاقات جديدة، ومن المؤكد أن السلام العربي الإسرائيلي قد اجتاز مرحلة إضافية. مصر والإمارات والأردن والعراق (الحكومة العراقية الرسمية) اقتربوا أيضاً من بعضهم البعض. هناك محاولة لاستعادة العلاقات مع سوريا واستقرار أكبر في العراق، وكأن هناك رغبة في الجمع بين بعض الدول التي تقع ضمن المفهوم الأساسي للمحيط الأطلسي – المتوسط ​​- البحر الأحمر – المحيط الهندي. بعيداً عن هذه البلدان هناك قوى منافسة مثل إيران وروسيا والصين وهي أقرب إلى بعضها البعض مما كانت عليه في السنوات السابقة.

سباق التسلح واحتمالات الحرب

مصير محادثات طهران النووية لا يزال مجهولاً، لكن المخاوف من قرب تحول إيران إلى قوة نووية تزايدت إلى جانب عمل إيران باستمرار على تحسين قدراتها في مجال الصواريخ والطائرات بدون طيار. تزايد قدرات إيران العسكرية هذا، يزيد احتمالات تشكّل التحالفات الإقليمية في المنطقة. هذا بالإضافة إلى أن الصراع الإيراني الإسرائيلي دخل مرحلة جديدة من المحتمل أن تؤثر على المنطقة بأكملها. [4] تعتقد ميشيل والاس أنه بين عامي 1816 و1965 حولت سباقات التسلح 23 من أصل 28 خلافاً بين القوى الكبرى إلى حرب. إن لم يكن كلام والاس هذا تحقق بعد عن النموذج الإسرائيلي – الإيراني بشكل كامل، فإن سباق التسلح بين إيران وإسرائيل يغير شيئين على الأقل، مستوى التوتر بين الطرفين والتحالفات.

هناك احتمال أن يتحول “التنافس العالي” بين الطرفين إلى حرب أو زيادة تعقيدات حرب الظل بينهما التي طالت حتى الآن على الأقل الكثير من المناطق من أربيل إلى إسطنبول. منذ عام 2007، تم استهداف ما لا يقل عن ثمانية شخصيات رئيسية في البرنامج النووي الإيراني والحرس الثوري داخل البلاد، وآخرهم الضابط في الحرس الثوري حسن صياد خُدائي. وقتل أكثر من ستة عسكريين في إيران في الأشهر الأخيرة. هذا بالإضافة إلى أن قواعد بارشين الإيرانية النووية ومراكز الطائرات المسيرة قد تم استهدافها عدة مرات. بالمقابل إيران أعلنت مراراً أنها استهدفت “مقرات إسرائيلية” في إقليم كوردستان، لكن إقليم كوردستان نفى ذلك ولم توافق الحكومة العراقية على مزاعم إيران أيضاً. من جانب أخر، ألغيت فجأة زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى تركيا هذا الشهر، وبعد ذلك شكر بيان إسرائيلي المخابرات التركية لإحباطها خطة لمهاجمة مواطنين إسرائيليين في اسطنبول.

ما الذي سيحدث؟ هل تركيا على وشك اتخاذ القرار؟ لمعرفة الإجابة يجب أن ننتظر قادم الأيام. لكن من المهم أن نلاحظ أن إحدى الحجج التي طرحها بعض الخبراء الأتراك لتبرير التدخل التركي في سوريا، [5] بصرف النظر عن حزب العمال الكوردستاني، هي أن إيران وحلفاءها قاموا بعد الأنسحاب الروسي بسبب حرب أوكرانيا من بعض المناطق الواقعة غربي نهر الفرات، بملء هذه المساحات تدريجياً بـ”حزب الله في حمص الشرقية وتدمر، ولواء أبو الفضل العباس في غرب الفرات والميادين، وفاطميون زادوا من تواجدهم في جنوب الرقة وحلب”. في وقت سابق من هذا الشهر، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو خلال زيارة لإسرائيل إن احتمال زيادة النفوذ الإيراني في سوريا يمثل تهديداً لكلا البلدين [6]. بالنظر إلى هذه الحقائق، يسهل فهم سبب اتهام تركيا في بعض وسائل الإعلام المقربة من المسؤولين الإيرانيين مؤخراً بطعن إيران في الظهر، [7] ودعوة بعض الجماعات الشيعية في العراق، على غرار جلسة البرلمان ضد بقاء القوات الأمريكية في العراق في 2020، إلى اجتماع بشأن هجمات تركيا ورفعهم نبرة الانتقاد لأنقرة.

الخاتمة

هنالك وقع أقدام تغيير قادم. التحالفات تتشكل من جديد، والدول في سباق تسلح، وهذان العاملان معاً إذا لم يمهدان الطريق للحرب، أو سيؤديان إلى مزيد من التوترات على الأقل في المدى القصير حتى يتحقق توازن القوى. وسيؤثر ذلك أيضاً على العراق وإقليم كوردستان وغرب كوردستان.

من المرجح أن يستمر عدم الاستقرار السياسي في العراق. من جهة تتزايد الرغبة في التسوية ومن جهة أخرى، يتزايد ضغط إيران والجماعات الشيعية على إقليم كوردستان. بالطبع، في كل العراق والمنطقة، تحتاج إيران والجماعات الشيعية إلى أربيل أكثر من أي وقت مضى، على غرار ازدياد أهميتها لتركيا والدول الأخرى. لذلك يجب عليهم إما إيجاد حل وسط أو ممارسة المزيد من الضغط.

قد تكون عملية تركيا المتوقعة في غرب كوردستان مرتبطة باجتماع الناتو والعلاقات بين أنقرة وإسرائيل. وبطريقة أخرى بعلاقات أنقرة مع الخليج. المؤشرات تشير الى أن هذا الصيف لن يكون حاراً فحسب بل مليئاً أيضاً بالاحداث الساخنة.

المصادر:

[1] -https://www.nato.int/cps/en/natohq/news_196144.htm

[2] – https://www.sipri.org/sites/default/files/2022-06/yb22_summary_en_v2.pdf

[3] -https://www.bbc.com/news/world-middle-east-57404516

[4] – Michael D. Wallace، Arms Races and Escalation: Some New Evidence The Journal of Conflict Resolution

Vol. 23، No. 1 (Mar.، 1979)، pp. 3-16

[5] -https://fikirturu.com/jeo-strateji/suriyeye-olasi-operasyon-bolgede-yeni-dengeler-abd-rusya-iran-pyd-neyin-pesinde/

[6] -https://www.aa.com.tr/tr/analiz/turkiye-israil-normallesmesinde-yeni-asama-cavusoglu-nun-ziyareti/2603746

[7] – http://www.irdiplomacy.ir/fa/news/2012645/%DA%86%D8%B1%D8%A7-%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86-%D8%B1%DB%8C%D8%A7%D8%B6-%D9%88-%D8%AA%D9%84-%D8%A2%D9%88%DB%8C%D9%88-%D8%B1%D8%A7-%D8%A8%D9%87-%D8%AA%D9%87%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D8%AC%DB%8C%D8%AD-%D8%AF%D8%A7%D8%AF-

Share this Post

تحليل