تحليل

أربيل مفتاح جيوسياسي للعراق في زمن الحرب والسلم

06-05-2026


إن الزيارة الأخيرة لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى بغداد، تحمل أبعاداً استراتيجية أعمق من مجرد حصرها في دائرة مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؛ فهي تعبير عن عملية إعادة تنظيم القوى السياسية في العراق وإقليم كوردستان تحت ظلال تداعيات "حرب 2026 الإيرانية" والمتغيرات التي طرأت على القضية الكوردية والمستقبل السياسي للعراق.

من الواضح أنه بعد زيارة "علي الزيدي" ووفد الإطار التنسيقي إلى أربيل، فُتحت الأبواب أمام مسألة تشكيل الحكومة. لذا، قد يكون من المفيد النظر إلى زيارة رئيس الإقليم لبغداد ضمن إطار أوسع؛ وهو الاحتياجات الجديدة لكلا الجانبين (بغداد وأربيل) لبعضهما البعض، خاصة في القضايا الجيوسياسية الحساسة مثل الحرب ومراحل ما بعد الحرب المتوقعة.

ويبدو أن تشكيل لجنة مشتركة لمزيد من الحوار حول القضايا الجوهرية بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والإطار التنسيقي هو علامة على رغبة الطرفين، ولكن في الواقع، لن يكون حل القضايا بين أربيل وبغداد عبر اللجان والتوافقات المؤقتة أمراً عملياً، تماماً كما لم يستطع منهاج تشكيل حكومة السوداني سابقاً حل تلك القضايا.

قبل كل شيء، تتركز أهمية هذه الزيارة في بعدها الجيوسياسي العميق؛ فمن الواضح في هذه المرحلة أن السياسة الشيعية في العراق لديها حاجة استراتيجية لتطبيع علاقاتها مع أربيل، وهي حاجة متبادلة تسعى إليها أربيل بالقدر ذاته. وبشكل عام، بعد سقوط نظام الأسد وحروب 2025 و2026 في إيران، تعيش المنطقة غلياناً ناتجاً عن تغيير جيوسياسي. فالسياسة الشيعية في المنطقة بأكملها، من لبنان إلى طهران، تمر في قلب صراع وتعقيد غير مسبوق مع الولايات المتحدة وإسرائيل ومحيطها. وهذا الوضع له تأثير أكبر في بلد مثل العراق الذي يقع سياسياً وجغرافياً في مركز الأحداث.

لقد تضمنت حرب عام 2026 بين أميركا وإسرائيل مع إيران عدة دروس تاريخية وهامة للأطراف السياسية الشيعية في العراق؛ لعل أبرزها أن التهديد لا يأتي فقط من الخصوم، بل قد يكون الحلفاء أحياناً مصدراً للضرر والشلل الاستراتيجي! على سبيل المثال، خلال الشهرين الماضيين، خلقت قضية المشاكل في مضيق هرمز -وهو الشريان الرئيسي لتصدير النفط العراقي- أكبر لغز "جيواقتصادي" لبغداد. هذه الأزمة دفعت مركز القرار السياسي إلى مراجعة خارطة النقل والوقوع في حوارات مكثفة مع إقليم كوردستان، سوريا، وحتى الأردن لإيجاد طرق بديلة لنقل الطاقة عبر "الممرات البرية". وهنا برزت مكانة إقليم كوردستان في الخارطة الاقتصادية للعراق كطريق استراتيجي.

درس آخر مهم من هذه الحرب هو أن مجرد امتلاك القوة العسكرية و"القوة الصلبة" ليس ضمانة كاملة لحماية ممرات الطاقة والأمن الاقتصادي. لقد اعترف محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، صراحة بأن القوة العسكرية الأميركية تفوقت على قوتهم البحرية، لكن إيران أثبتت للعالم أنه يمكن حتى من خلال "حرب غير متكافئة" وقدرات عسكرية محدودة، تعطيل أكثر الممرات الاقتصادية أمناً في العالم. والعبرة هنا لبغداد هي أن أي محاولة عراقية لفتح طرق بديلة للطاقة أو إنشاء ممرات اقتصادية جديدة، تحتاج إلى "توافق داخلي" قبل حاجتها للقوة العسكرية. وذلك خلافاً لبعض الرؤى السابقة في بغداد التي كانت تعتقد بإمكانية استخدام مشروع "طريق التنمية" بدون إقليم كوردستان للضغط على أربيل. هذا التوافق ضروري ليكون بعيداً عن التوتر السياسي وبناء ثقة بين أربيل وبغداد تحمي الممرات الاقتصادية من أي تهديد داخلي أو إقليمي.

فيما يخص تشكيل الحكومة الجديدة، يبدو أن ضغط ترمب لمنع وصول نوري المالكي مجدداً إلى كرسي رئاسة الوزراء قد نجح، ولكن يجب الإشارة هنا إلى تجربة تاريخية بقيت كعبرة في العلاقات الأميركية-العراقية؛ حين أقنع السفير الأميركي الأسبق كريستوفر هيل، خلافاً لرأي الجنرال أوديرنو، الرئيس أوباما بدعم المالكي (على غرار إيران) بافتراض أن المالكي قد يتحرك ضد الهيمنة الإيرانية، وهو ما ثبت عكسه لاحقاً. والآن وبنفس الطريقة، من المحتمل جداً أن تنهار الآمال التي تعلقها أميركا على "علي الزيدي" لتقليل دور وتأثير الفصائل المسلحة في المشهد السياسي العراقي. والسبب يعود إلى أن تأثير المجموعات المسلحة على السلطة في العراق قضية "بنيوية" وأكثر تجذراً من أن تنتهي بمجرد تغيير الشخوص السياسية، كما ظهر في تجربتي مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. وفي هذه النقطة تحديداً، وفي قلب هذا الوضع المليء بعدم اليقين، تكتسب مكانة إقليم كوردستان ورئيسه أهمية كبرى كـ "جسر استراتيجي"؛ وتظهر هذه المكانة لواشنطن ومركز القرار في بغداد كطريق توازن يمكنه لعب دور فعال وقت الأزمات.

في الوقت نفسه، يعاني العراق من علاقات معقدة مع دول الخليج ودول عربية أخرى بسبب سياسات وتصرفات الفصائل المسلحة، بخلاف إقليم كوردستان الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الأردن ودول الخليج. ويعد نيجيرفان بارزاني أحد الشخصيات السياسية التي تستطيع إجراء حوار مع الأقطاب المتضادة في آن واحد؛ فقبل توجهه إلى بغداد، تحدث مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وبعدها التقى رئيس دولة الإمارات محمد بن زايد.

من جهة أخرى، إذا بقي الوضع بين إيران وأميركا في حالة الانسداد الحالية (لا حرب ولا سلم)، فليس من المستبعد نشوء تنافس اقتصادي بين تركيا وإيران داخل العراق. هذا التنافس لن يكون فقط على سوق يضم أكثر من 45 مليون نسمة، بل سيكون صراعاً على السيطرة على طرق الطاقة والممرات الاقتصادية التي قد تُعتبر بدائل لمضيق هرمز وتقلل من أهميته الجيوسياسية. وفي هذه المعادلة المعقدة، تزداد أهمية مكانة إقليم كوردستان سواء في وقت الحرب أو السلم.

إذا نُظر للأمر من هذه الزاوية، يتبين أن إقليم كوردستان، رغم كل التحديات والخلافات الداخلية، أثبت أنه عامل مهم في المعادلات الإقليمية. لذا، فإن وجود وقوة كيان إقليم كوردستان السياسي ليس فقط ليس ضد مصالح العراق، بل هو ركيزة أساسية لتجاوز الأزمات الجيوسياسية للعراق أيضاً.

وفي الوقت ذاته، تنبع زيارة رئيس الإقليم لبغداد من ضرورة داخلية كوردية أيضاً؛ حيث يُنظر للعلاقة مع بغداد كطريق لحل القضايا الاقتصادية والأمنية والوضع الداخلي. ففي الفترة الماضية، فتحت الخلافات الداخلية الكوردية الباب أمام أطراف شيعية، وحتى سنية مثل محمد الحلبوسي، للتدخل في الصراع الكوردي الداخلي، كما حدث في موضوع انتخاب محافظ كركوك ورئاسة الجمهورية. ومن المؤكد أن التواجد القوي في بغداد لا يعني حل جميع القضايا بين أربيل وبغداد، لكنه على الأقل يضع حداً للتدخلات المفرطة في الشأن الداخلي الكوردستاني ويسهل طريق التوافق بين الأطراف

Share this Post

تحليل