لماذا تختلف الأرقام الصادرة عن وزارتي النفط والمالية بشأن الإيرادات النفطية الشهرية؟ طُرحت أسباب مختلفة حول هذا الأمر، مثل: شروط بيع النفط، توقيت استعادة العائدات النفطية، سلطة بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك على عائدات النفط العراقي، وعمليات التفتيش والتدقيق والمراجعة. وبينما تمثل هذه الأسباب جميعاً أجزاءً من الموضوع، إلا أن السبب الرئيسي يعود إلى الاختلاف في "المناهج المحاسبية".
إن الزيارة الأخيرة لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى بغداد، تحمل أبعاداً استراتيجية أعمق من مجرد حصرها في دائرة مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة؛ فهي تعبير عن عملية إعادة تنظيم القوى السياسية في العراق وإقليم كوردستان تحت ظلال تداعيات "حرب 2026 الإيرانية" والمتغيرات التي طرأت على القضية الكوردية والمستقبل السياسي للعراق.
تعتبر حرب إيران عام 2026 واحداً من الأحداث التي تمتلك القدرة على توجيه الجغرافيا السياسية للربع الثاني من القرن الحادي والعشرين في الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته، يمكنها تغيير وجه القضية الكوردية. على الرغم من أن الحرب لم تنتهِ رسمياً، إلا أن أميركا وإيران بقيتا في برزخ "سلام بارد" أو احتمال العودة إلى المواجهة العسكرية. وأياً كانت نتيجة هذا الصراع، فقد تركت الحرب التي استمرت 40 يوماً تأثيراتها الأساسية؛ بحيث لن تعود إيران المستقبل إلى وضع ما قبل الحرب، ولن تبقى توازنات المنطقة كما هي. في هذه المعادلة، ظهر الكورد بصفتهم جزءاً لا يتجزأ من الحرب، وذلك على الرغم من إعلانهم حيادهم رسمياً! في الواقع، بالنسبة لجغرافيا مثل كوردستان، فإن الحياد ليس خياراً يتحدد بالإرادة الداخلية فحسب، بل يحتاج إلى اعتراف الأطراف الدولية والإقليمية أيضاً؛ لكن مسار الأحداث أظهر أن هذا الحياد لم يكن/لا يكون متوافقاً مع مصالح أي من قطبي الحرب. في خضم ذلك، يتجه وضع إقليم كوردستان والقضية الكوردية في كوردستان إيران نحو مرحلة جديدة ومختلفة.
وصف ديفيد ماكدوال جغرافية كوردستان بأنها خط تماس جيوسياسي بين ثلاثة مراكز قوى إقليمية: سهل بلاد ما بين النهرين، وهضبة الأناضول، والهضبة الإيرانية. بمعنى آخر، كلما تصادمت هذه القوى، فإن شرارة الصراع ستطال كوردستان. في الواقع، ينطبق هذا الأمر على الحروب القديمة كحروب إيران مع الروم واليونان، وقد ذكّرتنا حرب عام 2026 مع إيران مرة أخرى بأن الجغرافية هي التي تحكم أحياناً، وليس القرار السياسي فقط.
في نهاية شهر كانون الثاني 2026، تمكنت الحكومة السورية الجديدة، عبر العمليات العسكرية ومن ثم الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، من بسط سيطرتها على قطاع صناعة النفط والغاز في سوريا وكوردستان سوريا، حيث تسيطر حالياً على 95% منه. وقد بلغ إجمالي الإنتاج اليومي لسوريا خلال العام الحالي 105 آلاف برميل، لكن مع دخول الشركات الخليجية والأميركية، تسعى الحكومة الجديدة لرفع مستوى الإنتاج اليومي إلى 380 ألف برميل.
قبل الحرب، كان العراق يهدف للوصول إلى إنتاج 6 ملايين برميل نفط يومياً. أما الآن، فقد بات هذا الرقم يقترب من الخيال، ويبتعد يوماً بعد يوم عن مستويات ما قبل الحرب التي كانت تبلغ 4.5 مليون برميل يومياً. ويعود ذلك إلى استهداف الجماعات المسلحة العراقية الموالية لإيران لحقول النفط والغاز في العراق، نتيجة استمرار الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، مما دفع الشركات النفطية الأجنبية للانسحاب من العراق واحدة تلو الأخرى.
تدخل مخاطر مرور السفن عبر مضيق هرمز أسبوعها السادس بسبب حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران. وقد انخفضت كمية النفط التي كانت تُنقل عبر هذا المضيق للعالم شهرياً من 440 مليون برميل إلى 53 مليون برميل، ومع ذلك، لم تحدث بعد تلك "الصدمة" التي توقعها العالم لارتفاع أسعار النفط، ولم تتجاوز الأسعار الأرقام القياسية التاريخية للارتفاعات الناجمة عن الأحداث الجيوسياسية السابقة.
أدت أزمة الطاقة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز نتيجة حرب أميركا وإسرائيل مع إيران إلى إعادة سوريا وتركيا مجدداً إلى مركز حوارات الطاقة العالمية، وهذه المرة كمنفذ جديد لنقل نفط العراق وغاز قطر.
تذهب إيرادات العراق إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، لا إلى إجمالي احتياطياته النقدية. إن التأخر الذي يتراوح بين شهرين إلى ثلاثة أشهر في استرداد عوائد النفط العراقي يرتبط بآلية شركة تسويق النفط (سومو) في البيع، أكثر من ارتباطه بإجراءات "دولار النفط" للبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.
تسمح إيران بمرور السفن التي ليست "عدوة" عبر مضيق هرمز، ويأتي ذلك في وقت سجلت فيه حركة الملاحة في المضيق خلال الشهر الجاري أدنى مستوياتها اليومية منذ خمس سنوات؛ حيث بلغ إجمالي السفن المارة بالمضيق خلال فترة الحرب 111 سفينة فقط، منها 40 ناقلة نفط.
تراجعت قدرة العراق على إنتاج للنفط خلال هذه الأيام إلى مستويات ما قبل 2003، وتقتصر الكميات المصدرة إلى الأسواق العالمية حالياً على المسار المار عبر إقليم كوردستان وصولاً إلى ميناء جيهان التركي.
تشهد أسواق الطاقة العالمية وحركة التبادل التجاري للسلع والبضائع هذه الأيام صدمة غير مسبوقة، حيث يقترب مضيق هرمز من الإغلاق التام. هذا التأثير لا يقتصر على سوق الطاقة فحسب، لأن نصف حركة الملاحة عبر المضيق مخصص لنقل المواد الغذائية والمنتجات الزراعية والسلع الاستهلاكية.
بعد توقف تصدير النفط عبر مضيق هرمز، أصبح منفذ العراق الوحيد لاستئناف التصدير في هذه المرحلة هو ميناء جيهان التركي. وهذان الأنبوبان اللذان يمكنهما نقل النفط يمران عبر أراضي إقليم كوردستان.
مع اندلاع الحرب لم يكتصِ العراق وإقليم كوردستان بنيران الحرب في أرجائهما فحسب، بل باتت مصادر رزقهما وركائز الاقتصادي تتجه نحو الانهيار، وفي ظل استمرار الحرب يتجلى يوماً بعد يوم ضعف العراق على أصعدة متعددة، من بينها: ضمان أمن الإنتاج، وتوفر البنية التحتية للنقل الداخلي، والبدائل المتاحة لمسارات النقل إلى الأسواق العالمية.
عقدت وزارة النفط العراقية، يوم الأحد، اجتماعاً لمناقشة المستجدات الإقليمية وتداعياتها على أسواق الطاقة، وأعلنت أنه "جرى في الاجتماع استعراض وتحليل خطة الطوارئ الخاصة بقطاع النفط، وعمليات إنتاج وتصدير النفط الخام والغاز والمشتقات النفطية، مع الأخذ بالتطورات الأمنية في المنطقة"، ويأتي في مقدمة السيناريوهات المطروحة إغلاق حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، إذ تحتل العراق المرتبة الثانية بين الدول المُصدِّرة للنفط الخام عبر هذا المضيق.
تُظهر بيانات الإنفاق الشهري لوزارة المالية العراقية عدم توازن واختلافاً في كيفية توزيع النفقات على المحافظات. هذا التفاوت ليس حصراً على إقليم كوردستان وحده، وعدم التوازن لا يشمل فقط الوزارات والخدمات، بل يظهر تباين كبير في المبالغ التي أنفقتها وزارة المالية مباشرة كنفقات تشغيلية واستثمارية من الجنوب إلى وسط العراق، ثم إلى المناطق المتنازع عليها ومحافظات إقليم كوردستان؛ بحيث أن محافظة مثل كركوك لم يُخصص لها أي مبلغ للإنفاق التشغيلي والاستثماري وكان الإنفاق عليها صفراً.
وقف إطلاق النار والمفاوضات بين "قسد" و"الحكومة السورية" هشان، وفي وقت يتبقى فيه أقل من 10 أيام على انتهاء وقف إطلاق النار بين الطرفين، فإن التغييرات الميدانية، والوضع السياسي - العسكري في الشرق الأوسط، يتجهان معاً نحو المزيد من التحولات. في صورة أوسع، يتضح أن مسألة روجآفا ليست مجرد "قضية داخلية سورية"، وأن الوضع هناك قد أحدث من الآن تحولاً مهماً في خضم الصراعات الإقليمية.
اقتصاد العراق من 2015 إلى 2025؛ كيف ارتفعت نفقات العراق من 2.8 ترليون دينار إلى 9.1 ترليون في الشهر الواحد؟
تبيّن أرقام وزارة المالية العراقية رؤية الحكومة لطريقة إدارة اقتصاد البلد، والتي يعد الازدياد السريع في نفقاته أبرز صفاتها. هذا التقرير هو القسم الأول في سلسلة من ثلاثة أجزاء، عن الاقتصاد العراقي تم إعداده باعتماد قاعدة بيانات مركز رووداو للدراسات الخاصة بالإيرادات والنفقات الشهرية لجميع المؤسسات في القترة (2015 – 2025). في هذا القسم سنحاول معرفة الإجابة على سؤالين رئيسين، أولهما: كيف زادت نفقات العراق، وهل ستستمر هذه الزيادة؟ والثاني: هل سيستمر هذا الاقتصاد في 2026 أم لا؟
وأعلنت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية بنفسها أن هذه سلسلة احتجاجات استنزافية سببها ليس اقتصادياً فحسب، بل انعدام الثقة، وأشارت أيضاً إلى أن هذا ليس بثورة، لكنه أخطر من الثورة لأنه لا يوجد قائد أو أفق واضح، وهو في حالة مد وجزر مستمرة، وعلى الرغم من أن هذا قد يعكس وجهة نظر رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، والذي ليس بالضرورة أن يوافق رؤية أجزاء أخرى من النظام السياسي والأمني التي ترد جذور الاستياء إلى المشاكل الاقتصادية أو التدخل الخارجي، إلا أن موقف الدولة هذه المرة تجاه المتظاهرين - من بزشكيان إلى المرشد الأعلى - يختلف في كونه يتحدث حتى عن "الحوار" مع الساخطين. من المرجح أن هذا يعود إلى توازي الاحتجاجات مع أوضاع إيران السياسية والاقتصادية والأمنية الداخلية والخارجية الصعبة.
مضى أكثر من ثلاثة أشهر على إبرام الاتفاق ثلاثي الأطراف لتصدير نفط حقول إقليم كوردستان عبر الأنابيب وبيعه في الأسواق العالمية. وبحسب البند قبل الأخير من الاتفاق: "يسري الاتفاق لمدة 30 يوماً من تاريخ توقيعه، ويمدد تلقائياً حتى 31 كانون الأول 2025، ويمكن للأطراف الاتفاق على تمديد الاتفاق لفترة أطول أو التعجيل بإنهائه قبل ذلك الموعد".
الآن، سنتخذ من هذه الأرقام التي أعلنها رئيس الوزراء فرصة لاستعراض الأرقام المالية في العراق، لأن الزيادة والنقصان تعني تغيير مسار الاقتصاد العراقي من النمو إلى التراجع، وأيضاً تثير هذه التغيرات الكبيرة تساؤلات جوهرية حول دقة الأرقام.