لغز الجغرافية وهجمات إيران وفصائلها على إقليم كوردستان
08-04-2026
وصف ديفيد ماكدوال جغرافية كوردستان بأنها خط تماس جيوسياسي بين ثلاثة مراكز قوى إقليمية: سهل بلاد ما بين النهرين، وهضبة الأناضول، والهضبة الإيرانية. بمعنى آخر، كلما تصادمت هذه القوى، فإن شرارة الصراع ستطال كوردستان. في الواقع، ينطبق هذا الأمر على الحروب القديمة كحروب إيران مع الروم واليونان، وقد ذكّرتنا حرب عام 2026 مع إيران مرة أخرى بأن الجغرافية هي التي تحكم أحياناً، وليس القرار السياسي فقط.
تحليل كمّي ونوعي للهجمات
يبدو أن الهجمات على إقليم كوردستان قد زادت في مرحلتين، لكنها بشكل عام شهدت تقلباً ملحوظاً. قد يُعزى هذا التذبذب في الهجمات إلى ضعف التنسيق بين إيران والفصائل المسلحة، ولكنه يُظهر أيضاً أن قدرتهم على مهاجمة إقليم كوردستان لاتزال عالية.
كلما زادت هجمات أميركا وإسرائيل على إيران، زادت الهجمات أيضاً في إقليم كوردستان.
في الأسبوع الأول، عندما احتدم الحديث عن احتمال شن عملية برية ضد إيران، تم شن 121 هجوماً على إقليم كوردستان. لكن في الأسابيع الثلاثة التالية، ظل عدد الهجمات الأسبوعية أقل من 80 هجوماً، بل وصل في الأسبوع الرابع إلى 34 هجوماً فقط. قد يكون أحد أسباب انخفاض عدد الهجمات في الفترة الوسطى عائداً إلى كثافة هجمات أميركا وإسرائيل. ففي حين بلغ عدد هجمات أميركا وإسرائيل على الفصائل المسلحة وألوية الحشد الشعبي 35 هجوماً في الأسبوع الأول من الحرب، فقد بلغ مجموعها 110 هجمات في الأسابيع الثلاثة التالية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تكون الإجراءات الحكومية المتزايدة في بغداد ضد بعض هذه الفصائل سبباً آخر. والآن، عادت الهجمات لتزداد مرة أخرى، وهذا يظهر إما أن إيران تشنها بنفسها أكثر من ذي قبل، أو أن الفصائل وجدت طرقاً إضافية لا تستطيع الحكومة السيطرة عليها.
الهجمات على إقليم كوردستان في المراحل الأخيرة، خاصة منذ الأسبوع الخامس الذي عاد فيه الحديث عن احتمال توسيع الحرب، زادت إلى 113 هجوماً، وفي الأيام الأربعة الأولى من الأسبوع السادس بلغت 53 هجوماً.
من بين 13 دولة ومنطقة هاجمتها إيران والفصائل الموالية لها خلال حرب 2026 حتى الآن، يُصنف إقليم كوردستان مع الإمارات والسعودية والكويت وقطر والبحرين ضمن المواقع الستة الأكثر تعرضاً للهجمات.
أعلن الجيش الإيراني بنفسه عن شنه هجمات في 10 مناسبات على الأقل، كما أعلنت 5 فصائل مسلحة على الأقل مسؤوليتها عن هجمات على إقليم كوردستان، وهي: كتائب حزب الله، وسرايا أولياء الدم، وأصحاب الكهف، وجيش الغضب، وأولياء الله، وقد يكون بعضها مجرد أسماء لإخفاء هوية المنفذ الحقيقي.
أهداف الهجمات
الهجمات التي تشنها إيران والفصائل المسلحة الموالية لها، تم تناولها في الإعلام بطريقتين: الأولى هي تلك التي يُعلن عنها رسمياً، والثانية هي تلك التي تم التزام الصمت حيالها، خاصة في بداية الحرب، على أمل تقليل الهجمات على إقليم كوردستان وتجنب تصعيد الموقف.
على سبيل المثال، تم استهداف مقر الرئيس بارزاني 5 مرات على الأقل، لكن لم يتم الإعلان عن ذلك. كما تم استهداف القواعد التركية في بامرني بمحافظة دهوك مرتين على الأقل، لكن لم يكن لها صدى كبير في الإعلام. وهذا ما أدى إلى نشر إحصائيات مختلفة حول عدد الهجمات.
وفقاً للإحصائيات التي سجلها "مركز رووداو للدراسات" من 28 شباط حتى ظهر يوم 7 نيسان 2026، تم إطلاق ما لا يقل عن 474 صاروخاً وطائرة مسيرة باتجاه إقليم كوردستان. هذا بالإضافة إلى 8 هجمات لم يُعرف فيها عدد الطائرات المسيرة والصواريخ. وهذا يعني أن العدد قد يكون أكبر بكثير مما تم تسجيله هنا، لكن هذه البيانات تقدم لنا معلومات مهمة حول اتجاه الهجمات وتكتيكاتها.
التوزيع الجغرافي للهجمات يُظهر أن أكثر من 78% منها كانت في أربيل، و16% في السليمانية، وحوالي 5% في دهوك. أما البقية فكانت في مناطق لا تقع رسمياً ضمن الحدود الإدارية لتلك المحافظات، مثل مخمور. بشكل عام، تم استهداف 28 موقعاً مختلفاً في أربيل، و11 موقعاً في السليمانية، و10 مواقع في دهوك، وموقع واحد في حلبجة، و3 مواقع ضمن حدود محافظة نينوى.
كتائب حزب الله، كواحدة من فصائل "المقاومة"، ذكرت بوضوح عدة مرات أنها ستستهدف حدود أربيل بشكل أكبر. من إجمالي 474 طائرة مسيرة وصاروخاً، لم يُعرف هدف 37% منها بدقة، وذلك لأنها أُسقطت قبل أن تصل إلى وجهتها. لكن 33% منها (أي 156) أصابت أهدافاً مدنية. بشكل عام، استشهد حتى الآن 16 شخصاً وأصيب أكثر من 90 آخرين.
كذلك، تم توجيه 18% من إجمالي الطائرات المسيرة والصواريخ نحو مخيمات أحزاب كوردستان إيران، التي تقيم فيها عائلاتهم وأقاربهم. ومن بين 86 طائرة مسيرة وصاروخاً مسجلة ضد أحزاب كوردستان إيران، كانت 45% منها موجهة ضد حزب "كوملة" في حدود السليمانية، و44% ضد الحزب الديمقراطي الكوردستاني (الإيراني)، و8% ضد حزب حرية كوردستان (باك)، والباقي ضد منظمة "خبات". وحتى الآن، لم تُسجل أي هجمة إيرانية ضد حزب الحياة الحرة الكوردستاني (بيجاك). قد يعود أحد أسباب هذا الاختلاف إلى أن جزءاً كبيراً من الهجمات التي تُشن في حدود أربيل يتم إحباطها بواسطة أنظمة الدفاع (لذلك عدد الأهداف غير المعروفة أكبر)، بينما في السليمانية يتم إسقاط عدد أقل من الطائرات المسيرة والصواريخ.
من إجمالي 474 طائرة مسيرة وصاروخاً، تم توجيه 12% منها نحو 8 أهداف عسكرية. ومن بينها، تم استهداف ما لا يقل عن 5 قواعد لقوات بيشمركة حكومة إقليم كوردستان، التي لم تكن جزءاً من الصراع. وهذا يظهر في الواقع أن الهجوم على مقرات بيشمركة كوردستان لم يكن حدثاً خاطئاً أو عارضاً.
في الحقيقة، حرب إيران هي جزء من جهود هندسة أمنية إقليمية جديدة. وكما ذكرتُ في تقييم سابق، يقف الكورد الآن عند مفترق طرق تاريخي، إما البقاء على "توازن هش"، أو حسم الموقف بين الجبهات المتصارعة في المنطقة.
إن مستقبل القضية الكوردية مرتبط تماماً بالجهة التي سينحاز إليها الكورد بين رحى أقطاب القوى. لقد أظهر وضع قوات سوريا الديمقراطية/روجآفا في شهر كانون الثاني من هذا العام، ووضع إقليم كوردستان والأحزاب السياسية في كوردستان إيران في حرب 2026 هذه، أنه هنا في الشرق الأوسط، وفي لعبة القوى الكبرى، حتى "الحياد" ليس بالأمر السهل، على الرغم من أن الانحياز له ثمنه أيضاً. هذا هو اللغز الذي خلقته الجغرافيا لكوردستان، والذي يمنحها الفرص والمخاطر في آن واحد.