ماذا لو أغلق مضيق هرمز في وجه صادرات النفط العراقية؟
03-03-2026
مقدمة
عقدت وزارة النفط العراقية، يوم الأحد، اجتماعاً لمناقشة المستجدات الإقليمية وتداعياتها على أسواق الطاقة، وأعلنت أنه "جرى في الاجتماع استعراض وتحليل خطة الطوارئ الخاصة بقطاع النفط، وعمليات إنتاج وتصدير النفط الخام والغاز والمشتقات النفطية، مع الأخذ بالتطورات الأمنية في المنطقة"، ويأتي في مقدمة السيناريوهات المطروحة إغلاق حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز، إذ تحتل العراق المرتبة الثانية بين الدول المُصدِّرة للنفط الخام عبر هذا المضيق.
وتتصاعد المخاطر التي تتهدد ناقلات النفط يوماً بعد يوم، ويتعاظم احتمال إغلاق مضيق هرمز في ظل استمرار الحرب؛ وبتحقق سيناريو الإغلاق الكامل، فإن تداعياته ستكون بالغة الخطورة نظراً لثقل هذا المضيق في موازين الطاقة العالمية، ولن تقتصر على التأثير في السعر وحده، بل ستطال الدول المنتجة والمستهلكة على حدٍّ سواء.
ومنذ يوم السبت، وعقب الضربات الإسرائيلية والأمريكية التي استهدفت إيران، ثم الرد الإيراني على القواعد الأمريكية في المنطقة، والتهديدات الموجهة لناقلات النفط العابرة في مضيق هرمز، بل ووصول الأمر إلى استهداف إحدى هذه الناقلات، باتت المخاطر تقترب من عتبة الإغلاق الكامل وتوقف السفن عن العبور فيها.
صادرات النفط عبر مضيق هرمز
ويعبر يومياً عبر مضيق هرمز خمس ناقلات نفط في العالم؛ فوفقاً لبيانات شركتَي "إس بي غلوبال" و"كبلر"، يضخّ العراق يومياً عبر هذا المضيق 3.32 مليون برميل من النفط الخام و310 آلاف برميل من المشتقات النفطية، ليحتل المرتبة الثانية بعد المملكة العربية السعودية من حيث حجم الصادرات النفطية العابرة لهذا المضيق إلى الأسواق العالمية.
يبلغ عرض مضيق هرمز 54 كيلومتراً، فيما لا يتجاوز ممر الملاحة المخصص لناقلات النفط 3.7 كيلومتر. وفي العام 2025، بلغ حجم النفط ومشتقاته العابرة لهذا الممر 19.87 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نسبة 25% من إجمالي التجارة النفطية العالمية، وفي حال الإغلاق جراء التصعيد، لا يمكن مرور سوى 3.5 إلى 5.5 مليون برميل يومياً عبر مسارات بديلة بدون المرور بالمضيق. وقد أشارت تحليلات مراكز الطاقة إلى أن الإغلاق الكامل يبقى مستبعداً، غير أن إغلاقاً جزئياً مؤقتاً كفيل بإحداث تأثيرات جوهرية في أسواق الطاقة.
الرسم البياني 1: حجم صادرات النفط الخام والمشتقات النفطية عبر مضيق هرمز في 2025/ يومياً
نقطة أخرى جوهرية مرتبطة بمضيق هرمز، هي أن أهميته لا تقتصر على نقل النفط وحده، بل تمتد لتشمل نقل الغاز، ولا سيما الغاز الطبيعي المسال الذي لا يوجد له مسار بديل، في حين يُسهم عبوره في تلبية 19% من الطلب العالمي على هذه المادة الطاقوية، مما يُهدد إمدادات توليد الكهرباء المعتمدة على الغاز المسال، ويضع الدول التي تعتمد على استيراد الغاز القطري والإماراتي لتوليد طاقتها الكهربائية في خطر، إذ يمر 93% من صادرات الغاز القطري و96% من الإماراتي عبر هذا المضيق دون وجود أي مسارات بديلة.
الرسم البياني 2: مضيق هرمز وشبكة الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات المائية بين الدول
المصدر: وكالة الطاقة الدولية، 1 آذار 2026
تداعيات إغلاق مضيق هرمز على أسواق النفط والغاز في العالم
يعني ذلك أن إغلاقاً كاملاً لمضيق هرمز سيُفضي إلى شُح بنسبة 25% في إمدادات النفط العالمية و19% في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما سيولّد صدمة اقتصادية في الأسواق العالمية تضاف إلى صدمة الحرب ذاتها، تتجلى في ارتفاع في أسعار النفط، وتراجع عائدات الدول المصدِّرة، وأزمات في إمدادات الكهرباء المعتمدة على الغاز المسال، في دول كباكستان على سبيل المثال، وغلاء في أسعار البنزين والمشتقات البتروكيماوية.
العراق ضعيف للغاية مقارنة بالمملكة العربية السعودية في مواجهة سيناريو إغلاق مضيق هرمز، فالسعودية تمتلك مسارات بديلة يفتقر العراق إليها كلياً، بل لن يتمكن حتى من تصدير نصف صادراته الحالية. لدى كل من السعودية والإمارات شبكة من خطوط أنابيب النقل البديلة؛ فالسعودية تنقل نفطها بالأنابيب نحو البحر الأحمر، والإمارات نحو ميناء الفجيرة، وكلاهما خارج مضيق هرمز. في المقابل، يفتقر كل من العراق والكويت وقطر والبحرين، بل وإيران نفسها، إلى أي مسار بديل.
هناك بُعد آخر لا يقل أهمية يتعلق بالدول المستوردة للنفط، وفي مقدمتها الدول الآسيوية والصين، إذ يتجه يومياً عبر المضيق 4.6 مليون برميل إلى الصين و6.2 مليون برميل إلى سائر دول آسيا، بينما لا تتجاوز حصة الدول الأوروبية والأمريكية والأفريقية مجتمعةً 1.3 مليون برميل. علاوة على ذلك، ومن جهة أخرى، فإن الإغلاق سيُحدث تأثيراً مباشراً غير متوقع على أسعار النفط، وسيتزامن الانخفاض الحاد في الإمدادات بنسبة 25% مع عجز الدول المنتجة ذاتها عن ضخ احتياطياتها الستراتيجية ونقلها كما فعلت في أزمات سابقة؛ فعلى سبيل المثال، المملكة العربية السعودية التي اضطلعت في الماضي بدور المنقذ من خلال احتياطياتها النفطية، ستجد هي الأخرى صادراتها رهينة الأزمة.
ضعف العراق وغياب أنبوب بديل لنقل نفطه
والآن، وفي ظل التصاعد المتواصل لاحتمالات إغلاق مضيق هرمز كلياً، يغدو العراق الخاسر الأول والأكثر تضرراً في مجال نقل صادراته النفطية إلى الأسواق العالمية، كون المضيق يمثل المنفذ الوحيد لنفطه بالكميات المصدَّرة يومياً. عليه، فإن إغلاقه الكامل سيُكبّد العراق خسائر يومية تتجاوز 200 مليون دولار، ومع تزايد أيام الخطر في المضيق، سيضطر العراق إلى تقليص عائداته النفطية بنسب غير متوقعة.
وبحسب أحدث تقرير لشركة تسويق النفط العراقية (سومو)، بلغت صادرات العراق النفطية في شباط 2026 ما معدله 3.53 مليون برميل يومياً، منها 3.33 مليون برميل يومياً يصدّر عبر مضيق هرمز، و198 ألف برميل يومياً عبر ميناء جيهان.
وإذا استمر هذا الوضع، فسيغدو المنفذ الوحيد المتاح أمام العراق لتصدير نفطه هو ميناء جيهان عبر خط الأنابيب الممتد من إقليم كوردستان إلى فيشخابور، والذي لا يضخ حالياً سوى نحو 200 ألف برميل يومياً من حقول إقليم كوردستان، في حين تبلغ الطاقة الاستيعابية القصوى للأنبوب مليون برميل يومياً، ومعنى ذلك أن العراق، حتى لو لجأ إلى هذا المسار، سيعجز عن تصدير 72% من نفطه. وهكذا فإن العراق سيشهد في آذار 2026 تراجعاً حاداً في صادراته النفطية، مما سيُعمّق الفجوة بين إيراداته ونفقاته التي كانت الأزمة السعرية قد أثقلتها أصلاً، وهو ما يُعرّي بُعداً جديداً من أبعاد الهشاشة الاقتصادية العراقية؛ فبدلاً من التخفيف من الاعتماد على النفط خلال العقد الماضي، ارتفعت نسبة الاعتماد على العائدات النفطية من 78% في العام 2015 إلى 91.2% من إجمالي الإيرادات في 2024.
الأيام القادمة وما تحمله نهاية آذار 2026 ستكشف بجلاء حجم المخاطر المترتبة على إغلاق مضيق هرمز، وتبيّن حجم الخسائر التي قد تنجم عن توقف حركة نقل النفط ومشتقاته والغاز عبر المضيق بالنسبة لأسواق الطاقة العالمية، ولا سيما الدول المنتجة للنفط. ففي اليوم الأول لاندلاع الحرب، أعلنت وكالة الطاقة الدولية أنها ترصد تطورات أمن الطاقة باهتمام بالغ وطمأنت الدول المستهلكة وأعضاءها بأن احتياطياتها الستراتيجية تبلغ 1.4 مليار برميل لمواجهة أي طارئ في أسواق الطاقة، لكن ذلك لا يُعوّض إغلاق المضيق كلياً ولن يحول دون ارتفاع الأسعار، خاصة أن أمريكا وأوروبا هي الأقل اعتماداً على النفط العابر من مضيق هرمز.
في الأخير، يمثل المشهد الراهن واحداً من أعمق لحظات التحول في مسيرة الأمن الطاقوي العالمي، يتوازى فيه التحول السياسي مع المواجهة العسكرية، ليُعيد رسم خريطة الضعف والقوة بين الدول منتجةً كانت أم مستهلكة. كما يُعيد هذا المشهد إلى الواجهة التفكيرَ الجدي في إيجاد مخارج متعددة وتغيير مسارات نقل الطاقة من المنتج إلى المستهلك في المستقبل، فضلاً عمّا يكشفه من هشاشة جوهرية وعميقة في البنية الاقتصادية العراقية.