تحليل

اقتصاد العراق من 2015 إلى 2025؛ كيف ارتفعت نفقات العراق من 2.8 ترليون دينار إلى 9.1 ترليون في الشهر الواحد؟

29-01-2026


مقدمة

تبيّن أرقام وزارة المالية العراقية رؤية الحكومة لطريقة إدارة اقتصاد البلد، والتي يعد الازدياد السريع في نفقاته أبرز صفاتها. هذا التقرير هو القسم الأول في سلسلة من ثلاثة أجزاء، عن الاقتصاد العراقي تم إعداده باعتماد قاعدة بيانات مركز رووداو للدراسات الخاصة بالإيرادات والنفقات الشهرية لجميع المؤسسات في القترة (2015 – 2025). في هذا القسم سنحاول معرفة الإجابة على سؤالين رئيسين، أولهما: كيف زادت نفقات العراق، وهل ستستمر هذه الزيادة؟ والثاني: هل سيستمر هذا الاقتصاد في 2026 أم لا؟

عقد المجلس المالي الأعلى العراقي أكثر من أربعة اجتماعات متتالية صدرت عنها قرارات لخفض النفقات وزيادة الإيرادات، لكن الحقيقة التي تظهر من الأرقام تشير إلى أن النفقات تزيد سنة بعد سنة والمصدر الرئيس للإيرادات هو النفط وسعره.

بيانات وزارة المالية العراقية لسنة 2015، تشير إلى أن النفقات في الشهر الأول من السنة وفي كانون الثاني 2015، كانت 2.8 ترليون دينار، وارتفعت في نفس الشهر من العام 2020 إلى 5.1 ترليون دينار، وتجاوز تسعة ترليونات دينار في أول أشهر 2025، ما يعني أن الزيادة في الإنفاق خلال تلك الفترة تجاوزت 200%، وكلها نفقات تشغيلية. في الشهر الأول من 2026، سنقوم بتخمين النفقات بثلاث سيناريوهات مختلفة وبناء على بيانات السنوات السابقات.

لا ينبغي أن نغفل أن الفرق بين الإيرادات والنفقات في أواخر السنة الماضية بلغ مستوى دفع الحكومة إلى إيقاف التعيينات والترفيعات والاستقطاعات للدرجات الوظيفية العليا. في نفس الوقت، وحسب رئيس مجلس الوزراء العراقي، تبلغ نفقات رواتب ذوي الدرجات العليا، بدءاً بالمديرين العامين ووصولاً إلى الرئاسات الثلاث، كانت 500 مليون دينار أو 384 مليون دولار. مع ارتفاع أرقام النفقات وارتباط أرقام الإيرادات بالنفط، لا يمكن علاج الداء بمجرد إجراء كإيقاف التعيينات والترفيعات وخفض رواتب ذوي الدرجات العليا، فهذا كما يُقال مجرد ترقيع، لأن مصدر الزيادة شامل وكان للتشغيل ويقوم عليه اقتصاد البلد.

سبب زيادة النفقات في أرقام كانون الثاني 2015 و2020 و2025

أدت زيادة النفقات وتنامي الحكم وتعدد المؤسسات وتوزيع الأموال التي تأتي من النفط، إلى ارتفاع النفقات التشغيلية في شهر واحد من 2.75 ترليون دينار في 2015 إلى خمسة ترليونات في 2020 ثم إلى 8.46 ترليون دينار في 2025. بنفس النسق، ارتفع الإنفاق السنوي من 18.5 ترليون دينار، إلى 76 ترليون دينار ثم إلى حوالى 140 ترليون دينار، على التوالي، أي أن نسبة الزيادة في النفقات السنوية للعراق هي أكثر من 677%.

الرسم البياني 1: مجموع النفقات، نفقات الاستثمار ونفقات التشغيل من كانون الثاني 2015 إلى 2025

المصدر: وزارة المالية العراقية، 25 كانون الأول 2025، قاعدة البيانات للنفقات والإيرادات الشهرية للعراق (2015 – 2025)، مركز رووداو للدراسات

هناك حقيقة أخرى لافتة، وهي أن الأرقام المالية في العراق بها اختلافات في زيادة النفقات وفي تراجع النفقات على حد سواء، والأكثر إثارة هو القدرة على خفض النفقات النشغيلية وصولاً إلى نفقات الموظفين. يمكننا أيضاً أن نجزم بأن كل هذه الزيادات لم يذهب للاستثمار ولا لبناء وتطوير قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، بل ذهبت لأنواع ثلاثة من رواتب متقاضي الرواتب، وهي المكافآت والمساعدات والنفقات الأخرى، إلى جانب الرواتب التقاعدية والرعاية الاجتماعية، في العراق باستثناء إقليم كوردستان.

أيضاً، فيما يتعلق بمصادر الزيادة، يتبين من إجمالي النفقات التشغيلية والاستثمارية في شهور السنوات من 2015 إلى 2025، أن الزيادة الكبرى في النفقات ذهبت إلى وزارة الكهرباء وقد ارتفعت بنسبة 15289%، ثم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بنسبة 5384%، فوزارة الصناعة والمعادن بنسبة 1960%، والمثير أكثر من الجميع هو الزيادة في نفقات مجلس الوزراء بنسبة 635%، فبينما كانت 90.2 مليار دينار في أول أشهر 2015 تجاوزت 616 مليار دينار في أول أشهر 2025.

هناك أمر آخر وهو أننا لا ينبغي أن نأخذ فقط بنسبة الزيادة، بل علينا أن ننظر إلى ازدياد التنوع في اتجاهات الإنفاق، ففي 2015 مثلاً، كان عدد المؤسسات التي لديها نفقات تشغيلية واستثمارية 32 مؤسسة في العراق، بينما بلغ عددها 44 في 2020 رغم حل ودمج عدد من الوزارات، وارتفع عددها إلى 47 في 2025.

إلى جانب تشكيل الهيئات، السبب الرئيس هو الزيادات في المحافظات باستثناء إقليم كوردستان وكركوك. هذا التقليص والدمج والزيادة من حكومة لأخرى، يحدث بصورة تزيد في تعقيد الأرقام والنفقات. على سبيل المثال، كانت وزارتا البلديات والإعمار منفصلتين في 2015، وكانت هناك وزارات حقوق الإنسان والسياحة والآثار في 2020، لكنها لم تعد موجودة في 2025. في المقابل، استحدثت في 2025 هيئات كالهيئة العامة للرقابة على الإيرادات الاتحادية وهيئة الصناعات العسكرية، وهذه زادت النفقات التشغيلية أكثر من الاستثمارية. فمثلاً كانت نفقات هيئة الصناعات العسكرية 12.48 مليار دينار، منها 12.3 مليار دينار نفقات تشغيلية أكثر من 12 منها ذهب كمكافآت ومساعدات ونفقات أخرى، وكانت النفقات الاستثمارية 161 مليون دينار فقط في أول أشهر 2025.

هناك نقطة أخرى مهمة للغاية في ارتفاع النفقات السنوية لبعض المؤسسات التي لم تشهد الكثير من التغيير، وكان يفترض أن تقللها الإصلاحات خلال تلك الفترة لا أن تزيدها، فقد جرى الحديث عن تقليص المكافآت والنثريات والحمايات. أبرز الأمثلة هنا، هو مجلس النواب العراقي الذي كانت نفقاته 36.9 مليار دينار في الشهر الأول من 2015، لكن هذه النفقات ارتفعت في 2025 إلى 45.3 مليار دينار، أي أن النفقات التشغيلية للمجل ارتفعت بمقدار عشرة مليارات دينار في الشهر و120 مليار دينار في السنة، إن لم يكن أكثر من ذلك.

ما كان متوقعاً هو تطوير الزراعة والخدمات الأساس كالطرق ومياه الشرب ومشاريع البنى التحتية للصرف الصحي، لكن الذي حدث كان العكس فقد تراجعت نفقات وزارات الزراعة والبلديات والإعمار خلال تلك الفترة بنسب مختلفة. على سبيل المثال، تراجعت نفقات وزارة الزراعة بنسبة 25%، والبلديات بنسبة 3.8%، ويشاهد أيضاً ضعف وتصغير نفقات بعض المؤسسات كنفقات رئاسة جمهورية العراق خلال الفترة 2015 – 2025 بنسبة 14%، حيث كانت نفقات هذه المؤسسة 3.9 مليار دينار في الشهر الأول من 2015 وتراجعت إلى 3.3 مليار دينار في 2025.

ما يلاحظ خلال هذه الفترة في نفقات إقليم كوردستان، هو أنها تأتي في قعر الرسم البياني، وذلك لأن نفقاته كانت صفراً أو ترليون دينار عراقي يصرف للرواتب فقط.

الرسم البياني 2: الاختلافات في نفقات المؤسسات، الرئاسات الثلاث والوزارات العراقي في كانون الثاني 2015 و2020 و2025

المصدر: وزارة المالية العراقية (25 كانون الأول 2025)، قاعدة البيانات للإيرادات والنفقات الشهرية للعراق (2015 – 2025)، مركز رووداو للدراسات

هل العراق قادر على الاستمرار في الإنفاق خلال 2026؟

يشير آخر تقرير لوزارة المالية العراقية، نشر في تشرين الثاني 2025، إلى أن النفقات الحكومية في ذلك الشهر تراجعت بمقدار 500 مليار دينار، بدون إدراج رواتب إقليم كوردستان في الحسابات.

على سبيل المثال، كان مجموع رواتب الموظفين (وليس الإعانات والرواتب التقاعدية والرعاية الاجتماعية) كانت 45.56 ترليون دينار حتى أيلول 2025، في نفس الوقت، وبحلول نهاية تشرين الثاني 2025 بلغت 55.9 ترليون دينار. هذا يعني أن الإنفاق على رواتب موظفي العراق وإقليم كوردستان في أيلول كان 5.16 ترليون دينار، ولكنه كان 5.9 ترليون دينار في تشرين الأول، وكان 4.4 ترليون دينار في تشرين الثاني حيث لم تدفع رواتب إقليم كوردستان، ولو قدرنا رواتب إقليم كوردستان بترليون دينار، عندها سيكون الإنفاق في تشرين الأول 5.4 ترليون دينار، وهكذا يكون العراق قد قلص حجم الإنفاق على موظفي في تشرين الثاني بمقدار 500 مليار دينار، ما يعني أن تقليص نفقات الدولة العراقية ليس بالأمر الصعب الذي يمكن أن يعرّض اقتصاده للخطر.

أيضاً، هذا الاختلاف أو المد والجزر من شهر لآخر في السنة الواحدة، لم يكن مرتبطاً فقط بتقليص النفقات الاستثمارية أو النفقات الأخرى من النفقات التشغيلية، بل يمكن حتى تقليص رواتب الموظفين إذا دعت الحاجة كما يلاحظ في السنوات 2016 و2020 و2023 وأيضاً في الأشهر القليلة الأخيرة.

والآن، لو أجرينا تقييماً على أساس إجمالي الإنفاق في أول شهر للسنوات من 2015 إلى 2025، نجد أن أمام العراق ثلاث طرق تتعلق بالنفقات:

1- إذا تم تقليص النفقات، سيكون إجمالي النفقات 7.8 ترليون دينار.

2- إذا استمرت النفقات على حالها الحاضر، ستبقى على حالها أو تزيد زيادة طفيفة، وتصبح 9.1 ترليون دينار.

3- إذا زادت النفقات، فستبلغ 10.3 ترليون دينار.

أي من السيناريوهات المشار إليها سيتحقق، هذا رهن بأسعار النفط والإيرادات، ومع أنه يظهر من الأشهر الأخيرة للسنة الماضية أن خيار التقليص مطروح، لأن زيادة الإيرادات (سواء كميات الإنتاج أو التصدير أو زيادة السعر) ليس تحت سيطرة العراق ليمضي باتجاه الخيارين الثاني والثالث.

الرسم البياني 3: إجمالي نفقات شهر كانون الثاني 2015 – 2025 مع السيناريوهات الثلاثة للفترة 2026 إلى 2029

المصدر: وزارة المالية العراقية (25 كانون الأول 2025)، قاعدة البيانات للإيرادات والنفقات الشهرية للعراق (2015 – 2025)، مركز رووداو للدراسات

خاتمة

الأرقام المالية للفترة (2015 – 2025) التي تظهر من خلال جمع كل نفقات الوزارات والمحافظات، تبيّن طبيعة النفقات في العراق وطريقة إدارة اقتصاده الذي تم ربطه بالإيرادات النفطية. فببساطة شديدة، هذا الاقتصاد هو توزيع للأموال إن وجدت وإمساك عن الصرف إن لم توجد. لذا فإن نمو إجمالي الناتج المحلي، على مستوى البلد والفرد، ليس نمواً حقيقياً، لأن النفقات تشهد ارتفاعاً وانخفاضاً كبيرين، وكذلك النمو، لأنه لا يقوم على إنتاج المعامل والصناعات المتنوعة التي تصدر منتجاتها وتدر بالإيرادات على العراق، بل يستمد زيادة حجم اقتصاده من نفقات الدولة (كالرواتب واحتياجات متقاضي الرواتب).

لا يزال الاختلاف في زيادة وتراجع النفقات من شهر لآخر، من بداية السنة إلى منتصفها ثم نهايتها، أمراً غاية في الأهمية. فالنفقات الاستثمارية تأتي دائماً في الأشهر الأخيرة من السنة رغم وجود ميزانية ثلاثية لثلاث سنوات، لأن الأولوية للرواتب وليس للاستثمارات ولا لإنعاش القطاعات وإنشاء الخدمات. على سبيل المثال، في تشرين الأول 2025، بلغت النفقات أكثر من 14 ترليون دينار منها أكثر من عشرة ترليونات تشغيلية وأربعة استثمارية، وهذا بالرغم من استمرار زيادة الاختلاف بين الإيرادات والنفقات.

كذلك فإن نفقات الشهر الواحد في العراق (بدون إقليم كوردستان والنفقات الاستثمارية والنفقات الأخرى التي يمكن خفضها) تدنت إلى أقل من ثمانية ترليونات دينار (أو 6.1 مليار دولار)، أي أن النفط المصدّر، إذا كان سعره 60 دولاراً للبرميل، يمكن أن يغطي هذه النفقات، لكن إلى متى ستسير الأمور بهذه الصورة ويصدر نفط إقليم كوردستان بدون أن يحصل على حصته من الميزانية أو حتى رواتب موظفيه؟

وأخيراً، اقتصاد قادر على زيادة أو إنقاص النفقات، يستطيع أن يستمر مع تراجع الإيرادات. لكن هناك قصة أخرى وراء هذه الزيادة والتراجع في النفقات التشغيلية والاستثمارية في العراق، وهو التمييز بين المحافظات في النفقات التشغيلية والاستثمارية، والذي لا يستهدف محافظات إقليم كوردستان وحدها، بل كركوك أيضاً، وسنسلط في القسم القادم الضوء على هذه الاختلافات في نفقات المحافظات من 2015 إلى 2025.

Share this Post

تحليل