تحليل

روجآفا والصياغة الأمنية الإقليمية الجديدة؛ نهاية اللعبة الكبرى في الشام؟

31-01-2026


وقف إطلاق النار والمفاوضات بين "قسد" و"الحكومة السورية" هشان، وفي وقت يتبقى فيه أقل من 10 أيام على انتهاء وقف إطلاق النار بين الطرفين، فإن التغييرات الميدانية، والوضع السياسي - العسكري في الشرق الأوسط، يتجهان معاً نحو المزيد من التحولات. في صورة أوسع، يتضح أن مسألة روجآفا ليست مجرد "قضية داخلية سورية"، وأن الوضع هناك قد أحدث من الآن تحولاً مهماً في خضم الصراعات الإقليمية.

في أعقاب بيان مشترك أصدرته أمريكا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا بشأن ضرورة وقف الأعمال العدائية وإدامة وقف إطلاق النار، عُقد يوم الثلاثاء (27 من الشهر الجاري) كان هناك اجتماع آخر لمظلوم عبدي وإلهام أحمد مع وزير خارجية سوريا، أسعد الشيباني، جرى في جو "إيجابي". من المتوقع أن يجتمعوا مرة أخرى خلال الـ24 ساعة القادمة إذا لم يطرأ تغيير. يبدو أن الطرفين، بسبب تجربة الاتفاقات السابقة (10 آذار 2025 و18 كانون الثاني من هذا العام)، فقدا الثقة في وعود بعضهما البعض، لذلك تجنبا إصدار بيان رسمي حتى يريا خطوات عملية من بعضهما. لكن بشكل عام، لا تزال كيفية دمج قسد في الجيش السوري مسألة خلافية. النموذج المطلوب من قبل سوريا هو أن يصبح جزء من هذه القوات شرطة أو قوات أمن داخلي والباقي يدخلون الجيش كأفراد. أما النموذج المطلوب من الجانب الكوردي فيميل نحو بقاء عدة ألوية ضمن إطار قوة لمكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى الأمن الداخلي. النقاشات حول توزيع الإيرادات، وقضية التعليم، والضمان الدستوري للغة الكوردية - سواء كانت لغة وطنية أو رسمية - مع معالجة ملف أعضاء حزب العمال الكوردستاني في روجآفا، كلها مطروحة على الطاولة، ويبدو أن هناك تقدماً بحيث أن معظم الأطراف، على الرغم من استمرار انتهاكات وقف إطلاق النار، تتحدث عن جو إيجابي في المفاوضات! وفقاً لاتفاق 18 كانون الثاني من هذا العام، يحصل الكورد على منصب محافظ الحسكة ونائب وزير الدفاع، لكن هناك الآن معلومات عن الحديث عن منح منصب "نائب وزير الخارجية" أو منصب رفيع في وزارة الخارجية. بالطبع يجب أن نضع في اعتبارنا أن الاتفاقات في سوريا الحالية تُبرم بسرعة وتُنقض بسرعة أيضاً، لذا لا يمكن النظر إليها وكأنها باتة.

السيناريوهات العسكرية في حال عدم التوصل لاتفاق

إذا لم تنجح المفاوضات، فإن قراءة الوضع الميداني تُظهر لنا الآتي:

أولاً: من المتوقع أن يشدد الجيش السوري الحصار على كوباني. في نفس الوقت، سيحاول التقدم نحو الحدود الشمالية من محاور "تل رفعت" و"تل أبيض" شرق الحسكة. قد يكون هدف هذه الحركة قطع الارتباط الجغرافي بين مدينتي قامشلو وديريك.

ثانياً: لحسم هذا الوضع، من المحتمل أن يستفيد الجيش السوري من الحصار أو تحريك السكان العرب في المنطقة، وعلينا أن نضع في اعتبارنا أيضاً أن جزءاً من تقدم الجيش بعد 17 كانون الثاني في شرق الفرات كان نتيجة تغيير موقف قوات "الصناديد" (المكون العربي - العشائري) ضمن قسد، وليس نتيجة الانتصار في المعارك.

ثالثاً: هذا الخط الحدودي، كونه يحادد إقليم كوردستان، يعدّ شرياناً رئيساً لقسد، سواء لتوفير الاحتياجات اليومية أو لاستخدامه كممر إنساني؛ لذا فإن فقدان هذا الخط سيؤثر على قدرتهم الدفاعية. بالطبع قد يكون اختلاف التكوين الديموغرافي لهذه المنطقة مقارنة بالرقة ودير الزور عاملاً يساعد قسد على الصمود لفترة أطول.

رابعاً: على الرغم من أن مراد قره يلان، وهو أحد قادة حزب العمال الكوردستاني، أشار إلى احتمال اللجوء إلى "حرب الأنفاق"، إلا أنه إذا قارنا ذلك بتجربة حماس وغزة، فسيكون هناك السؤال عن فعالية هذا التكتيك في روجآفا، بسبب طبيعة المنطقة الجغرافية التي تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وفي بعض الأماكن يبلغ عرضها 20 إلى 25 كيلومتراً فقط.

أمريكا والصياغة الأمنية الإقليمية الجديدة

في الواقع، فإن الحرب واحتمال التوصل لاتفاق بين سوريا/ روجآفا لا ينفصلان عن الصورة الأكبر للصياغة الأمنية الإقليمية الجديدة التي تمسك أمريكا بزمامها، والمتمثلة في: إضعاف المحور الشيعي من خلال إنشاء هلال سني – يكون المحور السني الجهادي والحنفي أكثر تأثيراً فيه – يمتد من أفغانستان إلى سوريا. تقوية دور تركيا وقطر كلاعبين إقليميين، والحفاظ على تفوق إسرائيل، وهذا بدوره يخدم الحد من انخراط أكبر للصين وروسيا.

وإذا سألنا عن الرابط بين الوضع الحالي في سوريا وبين هذا، يمكننا القول إنه من وجهة نظر ترمب، ما يحدث هو "محاولة أحمد الشرع لتوفير الاستقرار" وهذا يخدم سياساته بالشكل الآتي:

أولاً: يمكنه سحب قواته من سوريا بعد فترة، وهو ما كان يفكر فيه منذ 2019.

ثانياً: وجود سلطة للشرع مستقرة في سوريا يجعل من الأسهل ترتيباً إسرائيلياً - عربياً يضم اتفاقية حدودية بين لبنان وإسرائيل وكذلك بين سوريا وإسرائيل. يخطط ترمب لتحالف عربي - إسرائيلي عبر الاتفاقية الإبراهيمية، وربما يرغب أيضاً في اتفاق تركي - إسرائيلي. في هذه المعادلة، كان تخلي أمريكا عن قسد، الذي أعلنه توم باراك رسمياً، أحد "الامتيازات" التي طالبت بها أنقرة لسنوات، وربما تكون مشاركة تركيا في "مجلس السلام" الخاص بترمب في غزة ضوءاً أخضر لاحتمال المصالحة مع إسرائيل حتى لو كانت غير مباشرة.

ثالثاً: سيطرة الشرع على الحدود مع العراق توسع مشروع وضع حاجز كبير أمام النفوذ الإقليمي الإيراني. ربما تعتقد أمريكا أنه بغياب قواتها من هناك، ستتجه قسد تلقائياً نحو التحالف مع الجماعات الشيعية في العراق وإيران من أجل البقاء. فخلال الحرب الأهلية السورية، وعلى الرغم من التوترات بين أمريكا وإيران وروسيا، أبقت قسد رابطاً مع الأطراف المعادية ولم تتحرك ضد إيران والجماعات الشيعية وحتى روسيا بينما كانت تتحرك جنباً إلى جنب مع أمريكا. أظهرت تجربة قسد أن "الحياد" ليس أمراً سهلاً في لعبة القوى الكبرى هنا في الشرق الأوسط ، رغم أن الانحياز له ثمنه أيضاً.

إيران والعراق

إيران والسياسة الشيعية في الشرق الأوسط، تجد في التطورات الأخيرة في سوريا جزءاً من سياسة تطويقهم من قبل تركيا والدول السنية وأمريكا، التي تتماشى مع سياسة ترمب للـ"ردع" والضغط على إيران. قدوم الجيش السوري بقوة أكبر إلى حدود العراق أحيا خوفاً تاريخياً في الشارع الشيعي تجلى في خطاب "قدوم الجيش الأموي" كإشارة إلى أن الشرع قد تكون له أطماع في المثلث السني في العراق وفي بغداد أيضاً على المدى الطويل. تشعر السياسة الشيعية في المنطقة الآن بحصار سني يبدأ من أفغانستان ويمر عبر الخليج، ويمتد من سوريا إلى تركيا، حيث يقبع قطبان جهاديان - سنيان حنفيان (طالبان والشرع) على هذا الجانب وذاك. إنهاء التحالف الأمريكي مع قسد والسماح لاستقرار سلطة الشرع، كما حدث في أفغانستان، يظهر كحلقة أخرى من تطويق إيران والجماعات القريبة منها في العراق. ربما هذا ما دفع إطار التنسيق لترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء، كرد فعل على الأحداث الحالية، رغم أنه ليس واضحاً ما إذا كان هذا الترشيح سيبقى بعد تصريحات ترمب أم لا. في وقته، قال وزير الدفاع الأمريكي، روبرت غيتس، إن المالكي أصبح رئيساً للوزراء لأنه "كان ذا مكانة ضعيفة"، لكنه أُزيح لاحقاً لأنه أصبح قوياً.

ربما يكون هذا سبب معارضة ترمب الحالية لعودة المالكي؛ أي أن ضعف المالكي في السابق كان نقطة قوته، لكن قوته الآن هي نقطة ضعفه بالنسبة لأمريكا!

بالنسبة للعراق، أحيا الوضع الحالي في روجآفا مسألة داعش مجدداً. وافق العراق على استقبال سجناء داعش، بحجة الاحتفاظ بعناصر داعش تحت سيطرته، وكذلك الاحتفاظ بورقة للمزيد من المفاوضات مع أمريكا والتحالف الدولي. يُقدر أنه قبل آخر الاشتباكات، كانت هناك في ستة سجون في سوريا وروجآفا، كان يوجد 5000 معتقل من داعش من العراقيين مع حوالي 5000 داعشي سوري و2000 أجنبي. ربما وافق العراق على استقبال العراقيين والأجانب، لكن هذا أثار مخاوف مما قد يحدث في حالة حرب قد تقع بين إيران وإسرائيل أو إيران وأمريكا، وإذا لم يتمكنوا من حماية أمن تلك السجون. ربما كان هذا أحد أهداف أمريكا أيضاً، أن تضرب عصفورين بحجر واحد: في مرحلة ما بعد "قسد"، لن تجد نفسها مضطرة إلى ترك عناصر داعش في يد سوريا حيث هناك شكوك في نية وكذلك قدرة الحكومة فيما يتعلق بقدماء الجهاديين. ليس كل شيء أسود أو أبيض هنا، يمكن أن يتفق ترمب والشرع على الكثير من القضايا لكن بالتأكيد لديهما نقاط اختلاف. من ناحية أخرى، بوجود حوالي 7000 سجين من داعش، وتقوية السياسة السنية، وقدوم الشرع إلى الحدود، والضغط السياسي والدبلوماسي والاقتصادي الأمريكي، قد تجد الحكومة في بغداد نفسها مجبرة على التفكير مرتين قبل اتخاذ أي موقف بشأن التوترات مع إيران.

تركيا ووضع روجآفا

بالنسبة لتركيا، فتحت الحرب الطريق لتحقيق الكثير مما أرادت أن تضمنه؛ الإدارة الذاتية وقسد وفقاً لتعريفهما الجغرافي والتكويني وقت تأسيسهما لم يعودا موجودين. أُعطيت السيطرة على جزء كبير من الحدود ومصادر النفط والماء مع الرقة ودير الزور للحكومة السورية، وسجناء داعش يُنقلون إلى العراق، وبهذا خرجت قسد من كونها "تهديداً استراتيجياً" من وجهة نظر تركيا. لكن في نفس الوقت، خلقت موجة قومية كوردية تحاول أنقرة منذ أكثر من عام عدم السماح لها بالنمو باستخدام أوجلان وعملية نزع سلاح حزب العمال الكوردستاني. هذه الحرب أعطت زخماً قل نظيره للتيار القومي الكوردي وأضافت طبقة أخرى على مشاعر "الظلم التاريخي" لدى الكورد في الشرق الأوسط الذي لن تغطيه انتصارات دمشق العسكرية أو أي دولة أخرى. على الأرجح، هذه مسألة تراقبها دول المنطقة الآن أيضاً. ربما يكون هذا أيضاً دافعاً وراء الجهود التي تبذلها الحكومة السورية الحالية لطمأنة الكورد بأن "حقوقهم ستُحفظ".

تحول السياسة الكوردية

خلق وضع روجآفا هذا تحولاً في السياسة الداخلية الكوردية بظهور "البارزاني" مرة أخرى كمركز للقضية الكوردية في الشرق الأوسط، وهذا قد لا يتوافق مع رؤية أوجلان الذي قال في لقائه مع وفد البرلمان التركي: ما يمثله دولت باخجلي للقومية التركية، أنا أمثله للكورد في الشرق الأوسط. ربط أوجلان في ذلك اللقاء القضية الكوردية بالصراعات الجيوسياسية ومصالح إسرائيل، بينما وُجدت القضية الكوردية في هذه المنطقة قبل إنشاء إسرائيل.

اقتراح أوجلان لمصالحة قسد والحكومة السورية أمر واقعي وفقاً للوضع الحالي لروجآفاي كوردستان - رغم أن الفرصة كانت أكبر سابقاً - الذي يتحدث عن تحويل قوات قسد إلى أمن داخلي، وعن توزيع الإيرادات، ونوع من اللامركزية الإدارية، لكن التطورات الحالية جعلت أي اتفاق سياسي بشأن مستقبل روجآفاي كوردستان يتطلب أطرافاً أخرى خارج هذا الحزب لتكون صاحبة كلمة في القضية الكوردية في روجآفا.

جوهر "التحول الأيديولوجي" لأوجلان الذي يقوم على فكرة "أخوة الشعوب" ورفضت أي حل على أساس السيطرة على الأرض باتت تواجع التحدي. فتلك الفكرة التي ظنت أن بإمكانها السيطرة على ثلث أراضي سوريا وجمع مكونات مختلفة معاً، بالعناصر الأيديولوجية وحدها، لم تنجح في تجربة روجآفا. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال لغزاً كبيراً كيف تسمح أسس أطروحة الجمهورية الديمقراطية بأن يتعايش القطبان الأيديولوجيان المتضادان: الإسلامي الجهادي السابق والماركسي اللينيني السابق.

بعيداً عن تأثير هذه المسألة على الانقسامات الداخلية للسياسة الكوردية، يمكننا القول بشكل عام إن الكورد الآن أمام مفترق طرق تاريخي يتمثل في البقاء على "توازن هش" أو حسم أمرهم بين الأطراف المتنافسة في المنطقة. السؤال الرئيس الآن لم يعد فقط يتعلق بمستقبل الكورد في سوريا ودمج قسد في الجيش، بل هو: أين يتجه وضع الكورد بين حجري رحا "الهلال السني" و"الطوق الشيعي" والصياغة الإقليمية الجديدة.

Share this Post

تحليل