الحرب والبنية التحتية النفطية؛ كيف أحرق الصراع قطاع الطاقة في العراق وإقليم كوردستان
10-03-2026
مقدمة
مع اندلاع الحرب لم يكتصِ العراق وإقليم كوردستان بنيران الحرب في أرجائهما فحسب، بل باتت مصادر رزقهما وركائز الاقتصادي تتجه نحو الانهيار، وفي ظل استمرار الحرب يتجلى يوماً بعد يوم ضعف العراق على أصعدة متعددة، من بينها: ضمان أمن الإنتاج، وتوفر البنية التحتية للنقل الداخلي، والبدائل المتاحة لمسارات النقل إلى الأسواق العالمية.
تُعلن شركة تسويق النفط العراقية "سومو" عن كميات النفط المُصدَّر عبر منافذ أم قصر وميناء البصرة وجيهان، مع أسماء السفن المحمّلة، غير أن ما يصدّر من أم قصر وميناء البصرة يمر عبر مضيق هرمز ويمثل نحو 95% من إجمالي الصادرات، أي أن 5% فحسب يذهب من خارج مضيق هرمز.
قبيل اندلاع الحرب، كان العراق وإقليم كوردستان يُنتجان مجتمعَين ما يقارب 4.65 مليون برميل من النفط يومياً، إذ كان نصيب إقليم كوردستان منها نحو 300 ألف برميل، وإنتاج سائر العراق نحو 4.35 مليون برميل. أما اليوم فقد تراجع مستوى الإنتاج في العراق إلى ما يزيد قليلاً على مليون برميل يومياً، وفي إقليم كوردستان إلى أقل من 70 ألف برميل في اليوم.
لهذا التراجع في إنتاج وتصدير النفط إلى الخارج، وجه آخر ناجم عن إغلاق مضيق هرمز وهجمات الميليشيات؛ إذ لا تقتصر الخسارة اليومية على 220 مليون دولار يعدّ دخلاً شهرياً وتدفقاً مالياً للعراق، بينما أشار البنك المركزي إلى وجود احتياطي يكفي لاثني عشر شهراً، بل هناك صورة أشمل تكشف عن تداعيات جسيمة على الاستثمار في هذا القطاع. فعلى سبيل المثال، توقف العمل بعقدَين فقط كعقدَي بريتش بتروليوم وتوتال إينرجي اللذَين تبلغ قيمتهما 52 مليار دولار، يتجاوز نصف الاحتياطي الذي يتحدث عنه البنك المركزي، واللذين تجري إعادة النظر فيهما بسبب هذه الأوضاع.
تتصاعد حالياً وبوتيرة يومية المخاطر الأمنية المحدقة بالعراق وإقليم كوردستان في ضوء الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ولأن هذه المخاطر تنبثق من داخل البلاد ضمن نفس الإطار، فإنها دفعت الشركات الدولية إلى تعليق عملياتها وتخفيض مستويات إنتاج النفط والغاز، فتراجعت الصادرات تراجعاً حاداً. كل ذلك يكشف في جوهره عن هشاشة البنية التحتية للنقل، ويُنبئ بمخاطر بعيدة الأمد تتهدد قطاع الطاقة في العراق من حيث ضمان أمن تشغيله لصالح معاش سكانه.
مستويات إنتاج النفط في حقول إقليم كوردستان
أعلنت غالبية الشركات النفطية الدولية العاملة في حقول النفط والغاز بإقليم كوردستان عن تعليق عملياتها الإنتاجية بسبب تصاعد المخاطر الأمنية؛ وكانت شركة غولف كيستون البريطانية في حقل شيخان أولى هذه الشركات، تلتها دانة غاز في كورمور، وشاماران في أتروش وسرسنك. وعلى الرغم من عدم صدور إعلان رسمي عن DNO النرويجية بشأن حقلَي تاوكي وفیشخابور حتى الآن، فإنها بدورها أوقفت إنتاج النفط.
ومن أبرز الحقول النفطية التي تسهم بحصة كبيرة من الإنتاج في إقليم كوردستان، حقل خورمالة النفطي الذي شهد خلال هذه الفترة توقفاً عن الإنتاج لنفس الأسباب ثم استئنافه مجدداً. وقد بلغ إنتاج هذا الحقل قبيل الحرب 80 ألف برميل يومياً، إلا أن مستوى الإنتاج في الأيام يشهد تذبذباً حاداً، إذ بلغ في بعض الأيام 45 ألف برميل وفي أيام أخرى 65 ألف برميل. وفيما يخص حقول سرقلا وأربيل وبجيل وعين سفني، لم تصدر حتى الآن أي إعلانات رسمية بشأنها، غير أن المعلومات المتاحة تشير إلى استمرارها في الإنتاج بمستويات أدنى مما كانت عليه.
واستناداً إلى البيانات التي تم جمعها، كان مستوى الإنتاج النفطي في مجمل الحقول، مضافاً إليه الغاز المكثف في كورمور، ما يقارب 300 ألف برميل يومياً قبيل الحرب، غير أنه انخفض اليوم إلى 69.5 ألف برميل من النفط، وهو رقم يشهد بدوره تقلبات يومية ملحوظة بفعل اضطراب الأوضاع الأمنية.
الرسم البياني 1: مستويات إنتاج النفط في حقول إقليم كوردستان قبل الحرب وفي الوقت الراهن
المصدر: تقارير الشركات للربع الأخير من العام 2025، Iraq Oil Report، مجلة MEES، وكبلر.
ملاحظة 1: حجم نفط كورمور "الغاز المكثف"، الذي ارتفع مؤخراً من 15.8 ألف برميل إلى 21 ألف برميل يومياً.
ملاحظة 2: يشهد حجم الإنتاج في خورمالة تقلبات يومية حادة، وقد اعتُمد متوسط 50 ألف برميل في هذا الرسم البياني.
حجم الصادرات النفطية للعراق وإقليم كوردستان عبر شركة سومو
لم يشهد تصدير النفط العراقي في خمسة عشر عاماً الماضية تراجعاً كالذي يشهده اليوم؛ إذ أفاد المسؤولون في شركة نفط البصرة بأن الصادرات تراجعت بمقدار مليوني برميل يومياً، وتراجعت في إقليم كوردستان بما يزيد على 200 ألف برميل. وإذا احتُسبت قيم التراجع على أساس الأسعار الراهنة التي تتجاوز 100 دولار للبرميل، فإن الخسارة اليومية تبلغ 220 مليون دولار، والخسارة الأسبوعية تبلغ 1.5 مليار دولار.
ربما كان تراجع الإنتاج النفطي في العراق في بادئ الأمر نتيجة لامتلاء خزانات التخزين وإغلاق مضيق هرمز، إلا أن إشكاليات أمن العمليات وسلامة الشركات الأجنبية أضيفت إلى هذا السبب، وعلى الرغم من السماح بصفة مؤقتة بتمرير النفط المتجه إلى الصين عبر إيران، فإن العراق خفّض صادراته بمقدار مليوني برميل يومياً.
أسهم هذان العاملان معاً، أي مخاطر عبور السفن بمضيق هرمز وتزايد الهجمات على الشركات النفطية الدولية العاملة في العراق وإقليم كوردستان، في هبوط الإنتاج النفطي والصادرات إلى أدنى مستوياتها خلال عقد كامل.
ووفقاً لأحدث بيانات شركة سومو حتى (28 شباط 2026)، بلغت الصادرات اليومية من الأنواع النفطية الثلاثة مجتمعة (خام البصرة، وخام البصرة المتوسط، ونفط حقول إقليم كوردستان) 3.532 مليون برميل، منها 198 ألف برميل يومياً من ميناء جيهان تنتجه حقول إقليم كوردستان، أي أن 3.3 مليون برميل يومياً صدر عبر ميناءي البصرة وأم قصر، وهو ما يعني أن 97% من الصادرات تمر بمضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية.
وهناك الآن حديث عن السماح بتصدير النفط العراقي بالناقلات إلى الصين عبر مضيق هرمز، وتشير البيانات إلى أن حجم النفط العراقي المُصدَّر إلى الصين في الأشهر الأولى من العام الجاري بلغ نحو مليون برميل، مما يعني أن العراق لا يزال عاجزاً عن تصدير 2.3 مليون برميل إلى سائر أسواق العالم.
الرسم البياني 2: حجم صادرات النفط العراقي في الربع الأخير من 2025 والربع الأول من العام الجاري
المصدر: بيانات الصادرات النفطية، شركة سومو، تاريخ الاطلاع 6 آذار 2026.
ملاحظة: تستند بيانات آذار 2026 إلى تقديرات الكميات المُصدَّرة حالياً إلى الأسواق العالمية.
الخاتمة
إن استمرار حالة عدم الاستقرار التي أصابت قطاع الطاقة في العراق وإقليم كوردستان ينطوي على مخاطر كبيرة للغاية؛ إذ يُلقي بأعباء جسيمة على الحياة اليومية للمواطنين وعلى إيرادات الدولة، وسيؤدي إلى تراجع حاد في ثقة الشركات الدولية ومستويات الاستثمار في قطاعَي النفط والغاز.
واليوم تتعاظم الخسائر الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، والطائرات المسيّرة والصواريخ التي تنطلق من الداخل لاستهداف مصادر الطاقة في إقليم كوردستان وجنوب العراق بما فيها الشركات الدولية، لتصبح فادحة للغاية. وحتى لو أُعيد فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فلن يكون هناك نفط متاح للتصدير، لأن غالبية الشركات الدولية أعادت موظفيها إلى بلدانهم وأوقفت إنتاجها.
في السنوات الماضية، جرى توقيع عقود كبرى في هذا القطاع في العراق وإقليم كوردستان، كعقد شركة بريتش بتروليوم في كركوك، وعقدَي توتال إينرجي الفرنسية وشيفرون الأمريكية في البصرة وذي قار، واستثمارات HKN الأمريكية وكريسنت بتروليوم الإماراتية في حقل غاز السليمانية؛ وإن لم تُعالج هذه الأوضاع معالجةً جذرية، فإن هذه العقود قد تغدو حبراً على ورق. فضلاً عن إعادة النظر في مشاريع الاستثمار في حفر آبار جديدة وتطوير الحقول بهدف رفع الطاقة الإنتاجية، كما هو الحال مع شركة DNO النرويجية في دهوك وشركة غولف كيستون البريطانية في شيخان.
قد تعود الأوضاع الأمنية في مضيق هرمز إلى طبيعتها ويُعاد فتحه، وقد يتمكن العراق مستقبلاً من استعادة حجم صادراته السابقة، إلا أن ما لا يمكن استعادته وما يشكّل خطراً على قطاع الطاقة في العراق وإقليم كوردستان يتمثل في الميليشيات التي كانت في الماضي تهدد البنية التحتية لقطاع الطاقة في إقليم كوردستان وحسب، وباتت اليوم تستهدف العصب الحيوي للبنية التحتية النفطية في العراق، ألا وهو حقل الرميلة الذي يضم احتياطياً يبلغ 17 مليار برميل وينتج 1.4 مليون برميل يومياً، وتديره شركة بريتش بتروليوم البريطانية وبتروتشاينا الصينية بالشراكة مع شركة نفط البصرة. لهذا فإن الهجمات التي تُشنّ من الداخل تُلحق أضراراً بعيدة الأمد تفوق بكثير الأضرار قصيرة الأمد الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، لأن إيجاد مسارات بديلة لنقل النفط سواء بالناقلات أو بإعادة تأهيل خطوط الأنابيب القائمة أو إنشاء خطوط نقل جديدة يمكن تحقيقه في المدى القصير، أما استعادة مليارات الدولارات من الاستثمارات الأجنبية فأمر عسير.
وفي الأخير، كشفت هذه الحرب عن حقيقة أخرى وهي غياب التخطيط الستراتيجي وضعف البنية التحتية لقطاع الطاقة في العراق؛ والصورة الآن على النحو التالي: في وسط العراق وجنوبه يوجد نفط لكن لا توجد أنابيب نقل ولا منافذ بديلة للسفن المارة بمضيق هرمز، وفي المقابل وعلى النقيض من ذلك، في إقليم كوردستان توجد أنابيب نقل بطاقة مليون برميل يومياً وميناء كبير كجيهان، لكن لا يوجد نفط! وهذا، إلى جانب ما يكشفه من تناقض ستراتيجي كبير، يُظهر خللاً عميقاً في بنية الصناعة النفطية والغازية العراقية التي يعتمد عليها الجميع في تأمين مصادر دخلهم.