تحليل

الإنفاق التشغيلي والاستثماري في العراق: التفاوت الكبير بين المحافظات

08-02-2026


المقدمة

تُظهر بيانات الإنفاق الشهري لوزارة المالية العراقية عدم توازن واختلافاً في كيفية توزيع النفقات على المحافظات. هذا التفاوت ليس حصراً على إقليم كوردستان وحده، وعدم التوازن لا يشمل فقط الوزارات والخدمات، بل يظهر تباين كبير في المبالغ التي أنفقتها وزارة المالية مباشرة كنفقات تشغيلية واستثمارية من الجنوب إلى وسط العراق، ثم إلى المناطق المتنازع عليها ومحافظات إقليم كوردستان؛ بحيث أن محافظة مثل كركوك لم يُخصص لها أي مبلغ للإنفاق التشغيلي والاستثماري وكان الإنفاق عليها صفراً.

صحيح أن أرقام وزارة المالية في قسم تنفيذ الموازنة مختلفة تماماً عن تلك التي يصادق عليها مجلس النواب العراقي، لكن يُلاحظ التفاوت والاختلاف وعدم التوازن في إنفاق موارد البلد، حتى بالنسبة لمحافظة كركوك التي تساهم في اقتصاد البلد بإنتاج 310 إلى 320 ألف برميل نفط يومياً. خلال الفترة 2015 - 2025، لم تحصل محافظة كركوك، مثلها مثل 14 محافظة عراقية أخرى، على أموال للإنفاق التشغيلي والاستثماري بشكل مستقل، بل كان الإتفاق عليها صفراً.

خلال السنوات 2015 - 2025، أُنفق على 14 محافظة عراقية (باستثناء كركوك والمحافظات الأربع في إقليم كوردستان) مبلغ 97.6 تريليون دينار، ما يعادل 75 مليار دولار، كميزانية تشغيلية واستثمارية؛ منها 72 تريليون دينار للتشغيل و25.5 تريليون دينار للاستثمار في قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والمجالات الأخرى.

ورغم أن الموازنة السنوية للعراق تُوضع على أساس عائدات النفط، ونفقاتها على أساس عدد السكان، إلا أن إحصاءات وزارة المالية في أسوأ وأفضل الأوضاع الاقتصادية للعراق خلال تلك الفترة لا تتفق مع واقع كركوك. السؤال الرئيس الآن هو: لماذا لا تظهر كركوك في قائمة المحافظات التي تُخصص لها هذه النفقات؟ بينما إذا اعتُمدت نسبة البطالة وعدد السكان كأساس، فإن كركوك تتفوق على العديد من المحافظات، وإذا كان الأساس هو الإيرادات، فإن كركوك تأتي في المرتبة الثانية بعد البصرة.

إجمالي الإنفاق التشغيلي والاستثماري لمحافظات العراق من 2015 إلى 2025

وفقاً لتقارير وزارة المالية، تشهد نفقات التشغيل والاستثمار في المحافظات تغيرات مستمرة؛ بحيث أنه في السنوات التي انخفضت فيها الإيرادات، لم تُصفّر فقط النفقات الاستثمارية لمحافظات الوسط، بل وصلت النفقات التشغيلية أيضاً إلى الصفر. كما يُلاحظ تذبذب كبير في هذه النفقات؛ على سبيل المثال، في العام 2022 بلغ إجمالي النفقات 17.7 تريليون دينار، لكنه انخفض في العام التالي إلى 8.8 تريليون دينار، بينما كان64 مليار دينار فقط في العام 2016، وفي العام الماضي حتى تشرين الثاني 2025 بلغ 5.3 تريليون دينار.

يُظهر الرسم البياني الأول إجمالي نفقات جميع محافظات العراق وإقليم كوردستان خلال الفترة 2015 - 2025، حيث يتضح أنها ليست كباقي المحافظات التي تُخصص لها نفقات تشغيلية واستثمارية من وزارة المالية، فعلى سبيل المثال، إذا أُدرج شهر ما في التقرير، كان الإنفاق صفراً أو لم يُكتب شيء. نفقات محافظة نينوى، التي تُعد ثالث أكبر محافظة بعد بغداد والبصرة، تبلغ فقط نصف نفقات محافظة مثل ديالى.

بلغ إجمالي الإنفاق التشغيلي والاستثماري في بغداد خلال تلك الفترة 20.9 تريليون دينار، منها 17.6 تريليون للتشغيل وفقط 3.3 تريليون للاستثمار. في المقابل، بلغ إجمالي نفقات البصرة 14.2 تريليون دينار، منها 7.9 تريليون للتشغيل و6.2 تريليون للاستثمار (باستثناء قطاع النفط)، وشملت قطاعات الصناعة والزراعة والنقل والاتصالات والخدمات والإسكان والتعليم العالي.

يتراوح عدد سكان محافظات الأنبار وذي قار وكركوك وأربيل بين 2 و2.5 مليون نسمة، لكن من حيث النفقات فإن التفاوت كبير؛ إذ بلغ إجمالي نفقات ذي قار خلال السنوات 2015 - 2025 نحو 8.1 تريليون والأنبار 5.4 تريليون دينار، بينما لم يُنفق شيء على كركوك.

الرسم البياني 1: إجمالي النفقات التشغيلية والاستثمارية من قِبل وزارة المالية لمحافظات العراق وإقليم كوردستان خلال السنوات 2015 - 2025

المصدر: وزارة المالية العراقية - التقرير الشهري للنفقات والإيرادات خلال الفترة 2015 - 2025

ملاحظة 1: تم احتساب نفقات 2025 حتى نهاية الشهر الحادي عشر، لأن بيانات الشهر الثاني عشر من 2025 لم تُنشر بعد.

ملاحظة 2: في بيانات وزارة المالية العراقية الشهرية، طرأت تغييرات على النفقات، لكن ما يُعرض هنا هو معدل الـ12 شهراً من السنة.

نسبة السكان ونسبة البطالة والإنفاق التشغيلي والاستثماري في العراق

وفقاً لآخر تعداد سكاني، بلغ إجمالي عدد سكان محافظات العراق وإقليم كوردستان 46118793 نسمة، موزعين على 19 محافظة. من حيث الكثافة السكانية، تمتلك بغداد أعلى نسبة وهي 21.2% والمثنى أقل نسبة وهي 2.3%.

تأتي محافظة أربيل بنسبة 5.5%، السليمانية وحلبجة بنسبة 5.2%، ودهوك بنسبة 3.5% في المراتب المتأخرة؛ أي أن عدد سكان إقليم كوردستان، بدون المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، يشكل 14.2% من إجمالي عدد سكان العراق، لكن الإنفاق التشغيلي والاستثماري لم يُخصص له مثل ما خُصص لـ14 محافظة في وسط وجنوب العراق. في الوقت نفسه، محافظة كركوك التي يبلغ عدد سكانها 2034627 نسمة وتشكل 4.4% من سكان العراق، لم تُخصص لها ميزانية للإنفاق مثل محافظات الوسط والجنوب الـ14، وكانت حصتها المخصصة لها بشكل مستقل من وزارة المالية العراقية صفراً.

هناك معيار آخر مهم، وهو القوى العاملة والبطالة؛ وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء العراقي للعام 2024، كانت نسبة البطالة في عدد من المحافظات أقل من 10%، مثل: بابل 4.2%، الديوانية 9.9%، صلاح الدين 9.4%، ديالى 6.3% وكربلاء 7.8%. لكن يُلاحظ أن نفقات بابل وديالى وكربلاء كانت أعلى بكثير من نفقات ميسان والأنبار، بينما بلغت نسبة البطالة في المثنى أكثر من 21% وفي نينوى 14%.

نقطة أخرى لافتة هي ارتفاع نسبة البطالة في محافظات إقليم كوردستان وكركوك بين العامين 2014 و2024. في العام 2014 كانت نسبة البطالة في كركوك 2.9%، وأربيل 8.3%، والسليمانية 5.7%، ودهوك 8.8%، لكن في العام 2024 وصلت هذه النسبة في كركوك إلى 12.8% وفي أربيل ارتفعت إلى 14.7%. كذلك في السليمانية ودهوك تضاعفت النسبة، حيث وصلت في السليمانية إلى 13.6% وفي دهوك إلى 17.5%.

الرسم البياني 2: نسب إجمالي النفقات، والإنفاق التشغيلي والاستثماري للمحافظات خلال الفترة 2015 - 2025، والبطالة والسكان في 2024

المصادر:

وزارة المالية العراقية - التقرير الشهري للنفقات والإيرادات خلال الفترة 2015 - 2025

أعداد السكان وفقاً لآخر تقرير للجهاز المركزي للإحصاء العراقي، تاريخ الوصول 1 شباط 2026

نسب البطالة من الجهاز المركزي للإحصاء العراقي، تم الحصول عليها بتاريخ 2 شباط 2026

الخاتمة

ما يتضح الآن من إحصاءات وزارة المالية الخاصة بنفقات المحافظات هو عدم وجود أساس ثابت لتوزيع النفقات ووجود تفاوت كبير في الإنفاق بين المحافظات، خاصة من الجنوب إلى الوسط ثم محافظات العراق الأخرى وإقليم كوردستان؛ فبينما تتوفر في كركوك جميع المعايير اللازمة، بل وتستحق أكثر من العديد من محافظات وسط وجنوب العراق بفضل مساهمتها بنسبة 7.5% من إجمالي إيرادات العراق، لا نجد أي نفقات تشغيلية واستثمارية من وزارات العراق أسوة بـ14 محافظة أخرى، وكانت تلك النفقات صفراً. على سبيل المثال، عدد سكان كركوك أكثر من عدد سكان تسع محافظات عراقية، ونسبة البطالة فيها ضعفان إلى ثلاثة أضعاف النسبة في محافظات مثل بابل وديالى وكربلاء، لكن على العكس منها، لم تُخصص للتشغيل والاستثمار أي نفقات مباشرة من وزارة المالية.

نقطة أخرى تُلاحظ في الإحصاءات الشهرية لنفقات العراق هي أنه في أسوأ الأوضاع الاقتصادية - مثل العامين 2020 و2021 عندما انخفضت الإيرادات - تم ترتيب أولويات تقليص النفقات، بحيث شمل التخفيض الأول وسط العراق وكان التخفيض الأخير في محافظات الجنوب، بينما نفقات محافظات إقليم كوردستان وكركوك غير موجودة أصلاً.

أخيراً، ما هو مهم للدورة الحالية لمجلس النواب العراقي ونواب إقليم كوردستان والمحافظات، خاصة كركوك؛ ليس فقط النقاط والبنود في مشروع قانون الموازنة، بل ترسيخ أساس واضح وإيجاد آلية عادلة للإنفاق على المحافظات ولإجمالي النفقات، حتى يتحدد ما إذا كان الأساس هو عدد السكان، أم حاجة المحافظة، أم أي معيار آخر.

Share this Post

تحليل