منشورات

تقسيم كوردستان العثمانية إلى دولتي سوريا والعراق

03-04-2024


منذ حوالي اربعين سنة، بعد ان توسعت قراءاتي التاريخية إبان فترة الدراسة الجامعية، كنت ادرك عاماً بعد آخر ، وبعد قراءة كتاب إثر آخر، وجود خلل ما، واتضح ان الفجوة المعرفية في السرديات التي تعالج تاريخ الكورد وبلادهم كوردستان كبيرة وبعيدة عن الحقيقة الموضوعية، حيث تسصغر دورهم وخصوصيتهم.

وبعد التعمق في دراساتي الأركيولوجية والعمرانية، وخاصة تلك التي تبحث في علاقة العمران الريفي وطبيعة المجتمعات المنتجة لها تاريخياً، تبين لي ان المجتمعات الأكثر تجذراً في المنطقة،والجماعات المنظمة الأكثر ترابطاً بوشائح متعددة مع مجموعة الإثنيات والأقوام المندثرة في نواة الشرق الأدنى، لا بد ان تكون تلك التي تنتمي في الزمن المعاصر الى المجتمعات الكوردية، بوصفها المجتمعات الناجية الرئيسية من دوامة عواصف التاريخ...

توسعت وتعمقت في البحث في بطون أمهات الكتب التاريخية والجغرافية، وكذلك اطلعت  على تقارير البعثات الأثرية في عموم منطقة الشرق الأدنى، وخاصة سلسلة جبال زاغروس وطوروس ومحيطها السهلي، وتابعت صحة الإستنتاجات التي توصلت اليها من قراءة الكتب اليونانية والعربية الإسلامية، فتوصلت إلى نتيجة حاسمة أن المجتمع الكوردي ظل هو الرئيس من حيث الثقل الديمغرافي والاتساع الجغرافي في نواة الشرق الأدنى عبر أزمنة طويلة، بصرف النظر عن وجود الدولة الجامعة لهذا المجتمع، وإشكالية الحاجة المتأخرة للدولة القومية الخاصة بهذه المجتمعات المتنوعة والكثيرة العدد.

في المحصلة وبعد تجميع مادة كبيرة وغنية بالمعارف والمعلومات الجديدة والمغيبة، تزايدت ثقتي بالإفتراض المتلخص في ان تاريخ المجتمعات الكوردية قد غيب، وشوه، بل ما ظهر ودُون هو غالباً للتضليل على حقيقة فعالية ومكانة هذه الأمة- المجتمعات الراسخة والمتجذرة عبر الزمن المديد. فكان لا بد من صياغة هذه المادة العلمية، لتتكامل مع سردية اخرى مرتكزة على المعطيات العلمية ومختلفة  عما هو متناقل ومتداول. حاولت في هذا الكتاب الربط بين التاريخ والجغرافيا وكذلك العمران، لضرورات منهج البحث ولاستكمال الإسناد العلمي للسردية العامة التي أسست لجوهر النص. وقد اكتملت المادة تقريباً في سنة 2020، وتوجت بقراءتي لكتاب (كوردستان العثمانية)، وهي دراسة غنية لمجموعة من الباحثين، صدرت باللغتين الكوردية والتركية في استانبول سنة 2011، حيث منحني محتوى الكتاب جرعة إضافية من النشاط، فمضمونه يعد فتحاً في حقل الكوردلوجيا، اذ كشف عن جانب مهم من التاريخ السياسي والإداري القريب والمغيب للمجتمعات الكوردية  العثمانية في القرن التاسع عشر.

هذا وقد كنت مستمراً في التمهل والتأني في البحث والتقصي لإتمام مادة هذا الكتاب، وأعمل على تجميع المزيد من المعلومات والوثائق والخرائط النادرة، لكن حديثاً جانبياً مع الأخ آكو محمد مدير عام شبكة رووداو الإعلامية ساهم في تسريع عملية إنجاز الكتاب، فقد شجعني على إتمام هذا العمل، بل الإسراع فيه للحصول على النتيجة المرجوة والضرورية في هذه المرحلة. لذلك تم الاتفاق مطلع سنة 2023 على ان يتم إتمام الكتاب في نفس هذه السنة، على ان يصدر عن مركز رووداو للدراسات. لذلك لا يمكن ان انسى دعمه في التحفيز والتشجيع.

سارعت في عملية التبويب وتوسيع المعلومات وتعميق متن النص، وترتيبه منهجياً بطريقة تناسب مضمون الكتاب وهدفه المعرفي والعلمي.

في الختام لا يمكن ان انسى دور ابنتي سي مر في مراجعة مسودة الكتاب، ولا بد من تقديم الشكر للأخ خالد جميل محمد على جهوده في التدقيق اللغوي لكامل الكتاب، وكذلك أشكر الأخ حسين هيمتي على حسن تصميم الكتاب. في المحصلة لولا دعم مؤسسة رووداو الإعلامية ومساعدة الأصدقاء وتشجيعهم لما ظهر هذا الكتاب بهذا الشكل، علماً انني كنت ارغب في التريث لسنوات اخرى حتى يكتمل محتواه، وتنضج اكثر عملية معالجة الأفكار للوصول الى المستوى الذي كنت اطمح اليه.

Share this Post

منشورات