تحليل

حوار أربيل - النجف

19-12-2019


 

RRC |  آكو محمد * |

ظهرت فكرةُ عَقْدِ هذا الحوارِ نتيجة نقاشنا مع مفكر عربي شيعي معروف. فقد ظنَّ ذلك المفكر أن انقطاعاً حدث بين الشيعة والكورد، خاصة بين الكورد والمرجعية الشيعية العليا والشخصيات الدينية والثقافية في النجف وكربلاء.
بهذا الشكل قررنا مع زملائنا في مركز رووداو للدراسات أن نبدأ هذا الحوار في أربيل ونواصله في النجف. ونعمل على عقده كلَّ عام، أو بحسب أي اقتراح آخر يتمّ التصديق عليه في مؤتمر حوار أربيل- النجف، يوم 15 كانون
الاول 2019.
علاقات الكورد والشيعة علاقاتٌ عريقة، من الناحية المذهبية والسياسية. فثمة عدد كبير من الشيعةٌ بين الكورد في ديرسم، كرماشان، خانقين، كركوك، الموصل وبغداد. من الناحية السياسية، كانت هناك رسائل وعلاقات لقائد ثورة كوردستان الملا مصطفى بارزاني مع مرجعية النجف، وفتوى السيد محسن الحكيم عام 1965، بخصوص تحريم القتال ضد بيشمركة الكورد إبّان ثورة أيلول (1961-1975)، كذلك تأكيد السيد محمد باقر الصدر على الفتوى نفسِها، عندما سأله شابٌّ اسمه (كاظم جودة) عام 1974، إن كان الشرع يسمح لهم بمحاربة الكورد، حيث أجابه بوضوح قائلاً: لا يجوز لأنهم مسلمون.
مع الأسف، حالياً هناك بعض الأشخاص يحاولون إثارة الظنّ حول فتوى السيد محسن الحكيم بخصوص تحريم محاربة الكورد. على أولئك الأشخاص أن يتوجهوا إلى قراءة مذكرات السيد محمد بحر العلوم، كيف أنه في، جواب رسالة للملا مصطفى بارزاني، كانت قد وصلت النجف ليلاً بيد حبيب كريم وصالح يوسفي، حيث أجاب السيد محسن الحكيم عليها في اليوم التالي مباشرة وسلّمها لمحمد بحر العلوم، وبناءً على توصية السيد محسن الحكيم أعطيت لفؤاد عارف ليوصلها للملا مصطفى بارزاني.
أدت تلك الفتوى إلى تأسيس علاقة وطيدة وثقة كبيرة، طورت العلاقات بين الكورد والشيعة، من الناحية السياسية والاجتماعية بشكل واسع، بل إن كثيرين من قيادات الأحزاب الشيعية العراقية، في الأيام العصيبة أثناء حكم صدام، خرجوا من العراق عن طريق كوردستان ليلتحقوا بأحزابهم، أو أنهم كانوا في كوردستان حين النضال ضد نظام صدّام، أو أنهم ذهبوا من كوردستان إلى بغداد، أثناء عملية اسقاط نظام صدام حسين.
منذ فترة ولأسباب سياسية، أصيبت تلك العلاقات بالفتور، لأنه من الناحية الثقافية والأكاديمية لم تكن هناك خطة لإطالة وتعميق أمد تلك العلاقات. وتحديد مقاعد التعليم في جامعات كوردستان لطلبة جنوب العراق وفي جامعات النجف وكربلاء والبصرة للكورد. لذلك فإن إقامة حوارات من هذا النوع بين المثقفين والأكاديميين يمكن أن تكون طريقاً مناسِبةً للإبقاء على تلك العلاقات حميميةً، خاصة أولئك الذين كانت لهم في عهد المعارضة علاقات متينة، ولكن ذلك الجيل بسبب كِبَر السِّنّ وخروجهم من الساحة السياسية، يوماً بعد يوم ينقص عددهم.
العلاقات بين السياسين دائماً تكون في حالة صعود وهبوط، لكنّ العلاقات بين العلماء والأكاديميين تستطيع أن تكون أرضيةً جيدة لتبقى تلك العلاقاتُ حيَّةً وقويةً.
يعتقد الكورد أن سبب الفتور في تلك العلاقات يعود إلى الشيعة، لأنه بعد سقوط نظام صدّام حسين منذ 9 نيسان 2003، فإن السلطة في العراق دخلت في يد الشيعة بكل مفاصلها، لكنْ مع الأسف، ما كان نظام البعث قد حَرَمَ الكورد منه، فإن السلطة الحالية في بغداد ليست مستعدة لأن تمنح ذلك لحلفاء الشيعة في زمن معاداة البعث، وهو يشكل جوهر المشكلة الكوردية في العراق، ومع استمرار ذلك الحرمان فإن المشكلة الكوردية قائمة حتى الآن في العراق، حيث حَرمت بغدادُ الكوردَ من حقوقهم، وهو ما يتمثل قبل كلِّ شيء، في عدم الاعتراف بكوردستانية كركوك، شنكال، مخمور وخانقين. فذلك يذكّر الكورد بعدم تطبيق المادة 140، وعدم تطبيق اتفاق 11 اذار 1970.
أثناء هجوم داعش، لم تسمح قوات البيشمركة في كركوك بأن تقع تلك المناطق التي تركتها القوات العراقية في غمضة عين، في يد داعش، وعلى هذا النحو لم تسمح لأن تُدمَّرَ مدينة كركوك مثل مدينة الموصل، وأدى ذلك إلى الحفاظ على بيوت الشيعة، السُّنَّة، الكورد، التركمان والمسيحيين في كركوك سليمةً، كما أن كركوك صارت ملجأ 750 ألف نازح من المدن الأخرى أيضاً. وقد تحررت قرية البشير فقط عند المشاركة المباشرة لقوات البيشمركة، ونجم عن تعاون البيشمركة فتح الطريق أمام نجاح عملية الحشد الشعبي والجيش العراقي في معركة الموصل. لكنْ بعد انتهاء القتال ضد داعش، وُجِّهت فوّهات دبابات وأسلحة الحشد الشعبي والجيش العراقي نحو البيشمركة. وقبل ذلك أيضاً، في شباط 2014 كانت ميزانية ورواتب موظفي كوردستان قد قُطعت، كذلك لم تُدفع رواتب و ميزانية البيشمركة في أي وقت من الأوقات من قبل الحكومة الفدرالية.
يعتز الكورد بأنهم لم يشنوا أي هجوم على أي شعب، لكنهم ظلوا يطالبون بأرضهم وحقوقهم فقط، ودائماً كانوا يحتضنون النازحين والمنكوبين. بعد قتال داعش، وفي وقتٍ كانت كوردستان محرومة من الميزانية، فإن أكثر من مليوني نازح من الأنبار، تكريت، الموصل وديالى، توجهوا إلى كوردستان، ومع ذلك لم تظهر أية حالة أو واقعةٍ سيئة مع أولئك النازحين، ولأجل ذلك لاتزال كثير من تلك العائلات مندمجة مع الحياة في كوردستان ولا تريد العودة إلى مدنها، وهو ليس محلَّ انزعاج من قِبل شعب كوردستان بأي شكل من الأشكال. لكنْ مع الأسف، بعد رحيل الجيل السابق، فإن الذكريات الطيبة للكورد في بغداد وشارع أبو نواس والرشيد والمنصور، وفي البصرة والمدن الأخرى تكاد تنتهي، لأن الكورد حالياً حتى إذا كانوا يذهبون إلى بغداد والمدن الأخرى للعمل، فإن الخوف يعتريهم.
يجب البدء بتصويبٍ لعلاقات الشيعة والكورد، وحينها تتحسن العلاقات مع السُّنّة أيضاً، وهذه تبدأ بمبادرة من الأطراف الشيعية،إذ ينبغي على من يحكم بغداد أن يبادر ويعطي الحق للمستحق. فإنْ متّن الشيعة علاقاتهم مع الكورد، فحينها تكون ثَمَّةَ ضمانةٌ عظمية للشيعة في هذه المنطقة المضطربة، وهي في مصلحة الشيعة قبل مصلحة الكورد. ولا بد أن تكون حالياً لدى الشيعة تجربة بخصوص وفاء الكورد.
تاريخ علاقات الكورد والشيعة قويٌّ، لأنهم على ثقة بأنهم قادرون على تحسين مستقبلهم معاً. نأمل أن يكون هذا الحوار خطوة في طريق علاقات و مستقبل أفضل.

* المدير العام لشبكة رووداو الاعلامية

مواضيع ذات صلة

Share this Post

تحليل